سنحت لي فرصة علمية نفيسة، تابعت من خلالها، بكل سرور وامتنان، فعاليات الملتقى الثامن، لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، الذي عقد في العاصمة الإماراتية، برعاية كريمة من وزير الخارجية والتعاون الدولي في الإمارات، الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، ومتابعة حثيثة من الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش الإماراتي، وتأطير كامل، وإلهام تام، من الشيخ عبدالله بن المحفوظ بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس المنتدى؛ الرمز العلمي العالمي الشامخ، وصاحب الهم الكبير بكل ما هو إنساني في هذا العالم المتصارع، أمده الله بالصحة والعافية..

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، عضو هيئة كبار العلماء، الشيخ محمد بن عبدالكريم العيسى الذي يمثل اليوم واجهة مشرقة للمسلمين في العالم، كان ضيف الافتتاح الرسمي للمنتدى؛ ومن وسط «إكسبو 2020»، وبين زواره من مختلف الدول، أكد بوضوحه المعتاد، حاجة العالم لدراسة تحديات وعوائق وجدليات وتفاصيل وتداخلات المواطنة الشاملة أكثر من مجرد التذكير بقيمها ومبادئها، خصوصا وأن وضع «مسطرة واحدة» للمعنى المراد أمر صعب، مضيفا أن الهوية الدينية والهوية الوطنية تتكاملان، ولا تتعارضان، مؤكدا أن «الإسلام السياسي» سبب معيق لتحقيق المواطنة الشاملة المنشودة، باختزاله الدين في هدف سياسي ضيق، جعلت منه السبب الأكبر في الصدامات والنزاعات الحضارية، بين الشرق والغرب، منوها لخطورة تسلل العنصرية، ليس في الدول المتأخرة ماديا، بل في الدول المصنفة بأنها من دول العالم الأول.

عنوان الملتقى جاء بلمسة فلسفية لافتة، وبعد قيمي كبير: «المواطنة الشاملة من الوجود المشترك إلى الوجدان المتشارك»، وكانت الكلمات الرئيسة، والجلسات العلمية، وكل الحوارات المصاحبة تبحث قي المضامين النبيلة للعنوان، وكيف يمكن توصيلها وتنزيلها على أرض الواقع، مع اليقين بضرورة الارتقاء بمفهوم «المواطنة الشاملة»، من الإطار القانوني والحقوقي، الذي يلحظ حق «الوجود المشترك» نظريا، إلى الفضاء الإنساني الأرحب، أي «الوجدان المتشارك»؛ ورأيته موجزا في كلام الشيخ ابن بيه، وهو يحاضر في الحضور ويقول: «لا بد أن نتجاوز النظرة الإقصائية للإسهام الديني في بناء نموذج إبداعي للمواطنة، يتسق مع طبيعة البيئات التي يراد تنزيلها عليها»، مشددا على أهمية ترجمة لغة الدين إلى لغة الحياة المدنية والقانون، والاستعارة من نصوص التاريخ ما يمكن إنزاله على العصر الحاضر، والغوص في مقاصدها وحكمها وأسرارها، مع المقارنة بينها وبين ما وصلت إليه البشرية، مع الاحتفاظ لكل عصر بلغته وبيئته الزمانية والمكانية، وألا تكون الهويات والانتماءات بغض النظر عن نوعها «حاجزا»، بل «حافزا» لتجسيد المواطنة، وتحييد سلبيات الاختلافات.


اليوم، وبعد أن أحسن المنتدى إطلاق هويته الجديدة: «منتدى أبوظبي للسلم»، مؤكدا دور «أبوظبي» المحوري كمنطلق لدروب السلام، وملتقى لمحبي الخير والوئام؛ وبما يطرحه شيخي الحكيم، عبدالله بن بيه، من مقاربات فكرية مختلفة، وخلاصات لفلسفات إنسانية معاصرة، وترشيد دقيق، وتأطيير واضح، ورؤى ثاقبة؛ يشعر الإنسان «الإنساني» أن مساحة الكرة الأرضية أصبحت أوسع بكثير من المقدار الذي تعلمناه في المدارس، 510 ملايين كيلو متر مربع، والسر في ذلك يرجع للعودة إلى ميزان العقل والمصلحة، لترشيد سلوكيات الناس، والشرط الأساسي للوصول لهذا عمليا، أستعيره من مفردات المفكر العالمي الكبير، محمد نمر السماك، الأمين العام للجنة الحوار الإسلامي المسيحي، وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، عندما قال في المنتدى، الأهم، ألا نقول بألسنتا، ما ليس في قلوبنا.