حين تدلف مقبرة من بقاع الأرض، وأكتاف المشيعين التي أنهكها الحزن يتمدد عليها تابوت في داخله راحل، أو راحلة إلى الله الغفور الرحيم. هناك تصطف أمامك هيبة الموت، تتثاقل الخطوات، ويرجع البصر خائبا، لتستفيق على حقيقة غفل عنها الناس تقول «إنكم إن حان الأجل إلى مثل هذا المكان لا محالة عائدون ولا ذهاب ولا إياب حتى يوم الحساب».

تأخذك فسحة الأجل بعد الدفن، وتحط بك الخطوات إلى مكان العزاء، فتكتشف أن شجرة العمر سقط منها الكثير من الأوراق، وتيبست أغصانها بفعل كر الليالي والأيام، وهي تقضم ما تبقى من لحظات الحياة واخضرار الأمنيات والأحلام.

ومرة أخرى تسوقك خطواتك إلى دروب اشتهرت بكثرة تعرجاتها وخطورة منحدراتها، وكلما أبطأت السير فقدت حواسك، وضعُفت حركتك وغابت ذاكرتك، لتصل إلى أرذل العمر لكي لا تعلم من بعد علم شيئا، وهيهات أن تعود من حيث أتيت إلا بمشيئة الله عز وجل.

في ديوان إشراقة الطين للشاعر المتألق أحمد عسيري، جاءت قصيدة «التابوت» تشعل في النفوس حُزنا وأسى وتذرف كلماتها دموعا وتنتحب معانيها رهبة.

استهل الشاعر قصيدته باستفهام إنكاري للتابوت فقال:

«أتحملني وقد طفحت ذنوبي

وتفضح ما توارد من عيوبي

أنا جسد تمرغ في الخطايا

وأوغل في متاهات الدروب

ولم أعلم بأن العمر

حلم سراب طوقته يد الغروب» .

وللموت تعريفات وفلسفات، وطقوس وعادات يمارسها اليوم حوالي ثمانية مليارات من البشر، يتوزعون على 197 دولة، ويتحدثون سبعة آلاف لغة، وينتمون إلى عشرة آلاف ديانة ومذهب ودين.

تُرى كم سار ويسير أولئك خطوات بين الحياة والموت؟ وبماذا حدثتهم نفوسهم في لحظات المواجهة ومشاهدها اليومية، وهم يودعون الراحلين زُرافات ووحدانا ؟ إلا أنهم جميعا وقبلهم من الأمم ومن سيأتي بعدهم، عجزوا عن معرفة أسرار الروح والموت، لأن ذلك من علم الله وحده علام الغيوب لا ينازعه أحد في السماء والأرض.

ونحمد الله الذي هدانا للإسلام. في بلادنا الطاهرة يحمل أهلها العقيدة الصحيحة ويؤمنون بأن الله خلق الموت والحياة ليختبر عباده أيهم أحسن عملا، ووعد المتقين جنة عرضها السماوات والأرض.

وكلما كانت علاقة الإنسان بالله صادقة اطمأنت النفس، واشتاقت إلى لقاء خالقها عز وجل.

ورأى القاضي والشاعر المصري إسماعيل صبري - رحمه الله - أن نفسه المطمئنة لا تهاب الموت، لأنه مخلوق من التراب.

قال قصيدة في منتهى الروعة، منها هذه الأبيات:

«إن سئمت الحياة فارجع إلى الأرض

تنم سالما من الأوصاب

لا تخف فالممات ليس بماح

منك إلا ما تشتكيه من أوصاب

وحياة المرء في اغتراب

فإن مات فقد عاد سالما للتراب» .

والشاعر الأنيق الدكتور عبدالعزيز بن حمد الحسن يخاطب الموت في إحدى قصائده:

«يا موت ما بيني وبينك مسافة

إلا مثل ما بين ترديد الأنفاس

والله ما بي منك ذرة مخافة

خوفي من الله خالق الكون والناس».

هكذا الحياة والموت بينهما مساحات محدودة، تسير عليها خطوات الخلق إلى أجل مسمى.

اللهم أحسن خاتمتنا وارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.