أبلغت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، مطلع الشهر الماضي، الكونجرس بعدم الممانعة في إتمام صفقة سلاح جديدة للمملكة العربية السعودية، بقيمة تفوق نصف مليار دولار، تنتهي بمنح الرياض صواريخ جو – جو، لتعزيز القدرات الدفاعية.

وانطلاقا من ذلك، سأعود إلى الوراء قليلا، للتذكير بتصريحات الرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية، التي تضمنت وعودا ذات نبرة عالية تجاه المملكة، وعمل على توظيفها سياسيا في صراع الأحزاب الأمريكية، ومخاطبة مشاعر الناخب الأمريكي وعواطفهم.

تعهد الرجل حينها بعدم بيع أي نوع من السلاح للسعودية، بذريعة الحرب على اليمن، كما يسميها، وهذا شأنه الخاص، بينما نراه دفاعا عن النفس من جانب، ومن آخر لاستعادة الشرعية التي ارتضى بها المجتمع الدولي كاملا، المتمثلة في حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي جاء بعملية سياسية، اقتضتها المبادرة الخليجية، وقبل بها الجميع، يمنيون وغيرهم. صمتت الرياض حينها عن وعود بايدن، كعادتها، وهذا ديدن السياسة السعودية منذ قديم الأزل، إذ إنها على الدوام ما تتجاهل المهاترات والحروب الكلامية، فهذا فن غير صحي، لا يجيده صانع القرار السعودي. المهم لم تكتفِ بالانصراف عن تلك التصريحات، إنما عملت على البحث عن بدائل من خلال علاقاتها الإستراتيجية بدول العالم المُصنعة للسلاح مثل الصين وروسيا الاتحادية، وهذا حقٌ مشروع، ولا منة لأحد به.


وبالفعل هذا ما حدث، فالزيارات المتبادلة بين السعوديين والروس كانت في أوجها. والأمر بالمناسبة ليس سلاحا فقط، وليس تعامل تاجر سلاح مع مشترٍ، إنما تفرضه علاقات إستراتيجية بعيدة الأمد في مجالات عديدة.

وكما يبدو، فإن ذلك أقلق سيد البيت الأبيض في واشنطن، الذي وجد نفسه أمام سياسة سعودية حديثة متطورة، لا تعتمد على طرفٍ واحد، وذات منهجية لا تقوم على أسلوب المناورات، واللعب على وتر أوراق القوة والضعف، بل تستند بالدرجة الأولى على ثقلها العالمي، وهو ما يجهله بعض ساسة واشنطن، أو يتجاهلوه، من منطلق الأنفة الأمريكية التي تقوم على عنوان «الدولة رقم واحد» في العالم، وهذا ليس من السياسة في شيء بقدر ما هو أسلوبٌ يُنتج كثيرا من التنفير، وابتعاد الحلفاء على المدى القريب والمتوسط.

وبهذا الأسلوب السياسي، أثبتت المملكة عدم تبعيتها لأي دولة في العالم مهما تبلغ من قوة، ورفضها الخضوع لأي شكل من أشكال حملات الابتزاز السياسي، وفرضت، في الوقت نفسه، منهج التعامل بالمثل مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر ورقة الخيارات البديلة المتوافرة.

وهنا قد يقول قائل: هل لاجتماعات منظمة «أوبك بلس»، الشهر الماضي، التي أعلنت في أعقابها واشنطن موافقتها على الصفقة، وصعود أسعار النفط إلى حاجز 80 دولارا، دور في تغيير السلوك الأمريكي تجاه المملكة؟. حسب ما أرى نعم، فالولايات المتحدة تواجه حزمة من المعضلات، أبرزها تجاهل الدول المنتجة للنفط رغبتها في زيادة الإنتاج بمقدار يفوق 400 ألف برميل يوميا، وهو الرقم الذي اتفقت على رفضه تلك الدول في اجتماعها الأخير، وذلك ما خلق حالةً من الرغبة الأمريكية في النظر إلى مقدرات الطاقة الداخلية على مستوى الولايات المتحدة. وأعتقد أن تلميحات وزيرة الطاقة الأمريكية بأن الإدارة يجب عليها اتخاذ إجراءات لمعالجة ارتفاع أسعار البنزين، من خلال البحث عن بعض الأدوات التي تملكها الولايات المتحدة، حتى وإن كانت مناورة لتهدئة الرأي العام الأمريكي، إلا أنه لا مناص من أن أي محاولة حقيقية من التصادم مع مؤشر الأسواق العالمية.

أعود لقضيتي الأساسية، التي بنيت على أساسها هذا المقال، هربا من الاقتصاد ولغة الأرقام التي أجهلها، وأقول إن المملكة تُسهم بشكلٍ غير مباشر من خلال الصفقات، أيا كان مضمونها أسلحة أم غيرها، في خدمة الولايات المتحدة الأمريكية. كيف؟.

عبر خلق فرص عمل للمواطن الأمريكي في المصانع العاملة على إنجاز الطلبات السعودية، وهذا ما يعود على واشنطن بفائدة جليلة، من خلال تقليص نسب البطالة المتعاظمة في مؤشرات تلك الدولة، والتي تتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى الإدارة الحالية، بالإضافة إلى الإسهام في خفض معدلات الجريمة، التي غالبا ما يكون أساسها الفراغ والحاجة الماسة للعيش. ولا أريد أن أبحر في هذا المجال، كونه عميقا وذا مجالات واسعة.

إن النمط السياسي السعودي الحديث يستدعي بالضرورة إيجاد شكل تعامل متطور، يواكب بعضا من مكامن القوى، أولها الأخذ بعين الاعتبار أن المملكة دولة عظمى بمقدراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقبل ذلك مكانتها الدينية، يلي ذلك قدرتها على التأثير في مواضع عديدة، أبرزها الاعتدال الذي تمثله في منطقةٍ ملتهبة.

هذا أولا، وثانيا قدرتها على القول الفصل في مؤشرات الطاقة الحيوية، التي يحتاجها العالم بأسره. إن عناصر القوة التي تمتلكها السعودية، مصحوبة بعقلية سياسية جديدة وحديثة، من شأنها فهم المناورات السياسية التي يطلقها الرؤساء المتعاقبون على البيت الأبيض، لأهداف انتخابية صرفة. لذا طالما ما آثرت الرياض تجاهلها، والانصراف للعمل بصمت وتروٍ، ففي ذلك كثير من الحكمة، والعلو في القيمة، والسمو في الأخلاقيات والصورة العامة. أتمنى أن تتفهم واشنطن الأسلوب السياسي السعودي الحديث، فلا خيار لها إلا فهمه ومواكبته.