لابد من الاقتناع والقناعة، بضرورة التوسع في البحث في فقه (الواقع)، وفقه (التوقع)، والاهتمام بذلك، عن طريق مسالك كثيرة، الغرض منها الإسهام في تصحيح المفاهيم العامة؛ والمفاهيم الشرعية على رأس القائمة؛ وذلك من أجل أن تكون بابا لمعالجة أي خلل أصاب الوعي العام؛ إن من جهة التطرف والتشدد، أو من جهة التفلت والتسيب، اللتين تسببت فيهما تيارات من هنا وهناك..
المفاهيم الشرعية التي ذكرتها آنفا، تحتاج تجديدامستمرا؛ تجديدا في تنزيلها على الحياة، وتجديدا في صلة الناس بها، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون روايات صحيحة، وانفتاح على العصر، وفهمه فهما كاملا، وتجاوز للمسافات الزمانية والمكانية، ومطالعات للمعارف المتنوعة، واستيعاب للاختلافات والتعدديات، انطلاقا من شمولية الشرع، وأن فيه الجواب عن كل ما يمكن أن يحتار فيه الناس..
الواجب يقتضي القول إن هناك إشكالات اعترضت وتعترض وستعترض الخطاب العام، وهذا يعني ضرورة وضع حلول ومقاربات لها، ومن هذه الإشكاليات الظن بعدم إمكانية التجديد في الخطاب الإسلامي، أو أن الاختلاف مذموم، وغير مشروع، وخصوصا عندما يحتكم الناس إلى نصوص صريحة، ومقاصد نبيلة، بغض النظر عن إيمان الجميع بها، لأن المهم هو الطرح الرصين المنضبط، وإن كان جرئيا.
والواجب كذلك، يحتم القول إن البعض يحاول يسيطر على فكر الكل، وقلوبهم، وسلوكياتهم، ولا يهم في الوصول لذلك، أن تتكبل الخطى، أو تتعطل المسيرة؛ فالمهم هو أن يقلد الناس بعضها بعضا، ولو كان تقليدا أعمى، والأهم أن يتم الاستيلاء على فكر الغير، ولو عاش الناس جميعا خارج الزمن، وما يتطلبه الواقع..
ليس صحيحا أن يظن الناس أن الممارسات الحياتية لا علاقة لها بالشرع، وليس صحيحا عدم تقريب العقول الراشدة من دائرة التأثير، وإزواء أفكار أصحاب النيات الحسنة، وحبس الصدارة على من يظن أنه العالم بما يحيط به، والحقيقة أنه يعوزه الاقتناع بأنه تسبب بطريقة أو أخرى، في الفوضى الفكرية، التي سيسهم عدم ضبطها في نزاعات وخصومات، وربما إلى ما هو أكبر من ذلك؛ إن لم يدرك الكل واقعهم، ويحسنوا التعامل معه، ومع النصوص المختلفة؛ تفسيرا، وتعليلا، وتنزيلا على الواقع..
كل نص في الشرع، له واقعه، وله مقاصده، وله مصالحه كذلك، وهذا الأمر ليس بدعيا، بل هو الذي تبناه العلماء الراسخون، الذين علموا قوة العلاقة بين الإنسان، والواقع، والشرع، ومنهم الإمام الشاطبي، الذي ذكر في الجزء الأول من كتاب «الاعتصام»، عند مناقشته أهل البدع في الاستدلال: «كثيرا ما ترى الجهال يحتجون لأنفسهم بأدلة فاسدة، وبأدلة صحيحة اقتصارا بالنظر على دليل ما، واطراحا للنظر في غيره من الأدلة الأصولية، أو الفروعية العاضدة لنظره، أو المعارضة له»؛ وكأنه، يرحمه الله رحمة واسعة، يصف الفكر المأزوم الذي أصاب البعض منا، فجعلهم لا يعترفون إلا بما يناسب مزاعمهم، ولو أدى ذلك لمحو أدلة غيرهم.