تسير المملكة على خطى ثابتة ومدروسة نحو تمكين المرأة على مدى عقود مضت، فكان الاهتمام بتعليم المرأة بمراحله المتوالية، يمثل البداية الطبيعية لمسيرة التمكين المستهدفة، والتي تُوجت في حينها بتوظيف المرأة في مجالات محدودة كالتعليم والصحة، وفي بعض الوظائف الأمنية والإدارية البسيطة التي تخدم الجهات الرسمية الخاصة بالنساء.

وشكلت رؤية المملكة 2030 بما تضمنته من أهداف وإستراتيجيات احتوت مختلف القطاعات، نقطة الانطلاق الكبرى نحو تمكين المرأة الفعلي، والمرتبط بسياسات وتشريعات تدفع نحو تفعيل دور المرأة كشريك أساسي في التنمية الشاملة والمستدامة، بما يعزز من دورها في المساهمة في النمو الاقتصادي والاجتماعي، بمنحها مزيدا من الفرص للمشاركة في سوق العمل، وتمكينها من الوصول إلى مناصب قيادية وإدارية في مراكز القرار وصناعة السياسات في القطاعات العامة المختلفة.

إن ما حققته المملكة في مؤشر المرأة في تقرير المرأة والأعمال والقانون الصادر عن مجموعة البنك الدولي، ليُعد توثيقاً دولياً على ما أنجزته من تقدم في ملف تمكين المرأة، حيث ارتفع المؤشر لنحو 80 نقطة بناءً على آخر إحصائيات فبراير 2021. كما أشاد التقرير الصادر من صندوق النقد الدولي لعام 2021، بما حققته المملكة العربية السعودية من مكتسبات ملموسة في عملية التمكين المستهدفة، نتيجة للإصلاحات التشريعية والسياسات المؤسسية الساعية لتعزيز مشاركة القوى العاملة النسائية السعودية، والتي يقدر بأنها ارتفعت بمعدل 13 نقطة مئوية، بنسبة تتعدى %33 على مدى العامين الماضيين.

يمثل تمكين المرأة، الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة التي التزمت المملكة مع غيرها من دول العالم بتحقيقها، من خلال العمل على تضمين النوع الاجتماعي في جميع إستراتيجيات وسياسات القطاعات المختلفة، بهدف تقليص الفجوة بين الجنسين بما يحقق نموا اقتصاديا واجتماعيا قويا ومستداما.

واستمراراً للجهود الحثيثة التي تبذلها السعودية نحو تمكين المرأة؛ أطلقت وزارة المالية، مؤخراً، مبادرة «ميزانية تمكين المرأة في المملكة العربية السعودية»، والتي تُعد الأولى من نوعها في تاريخ الميزانية العامة للمملكة، وبها ستعمل الوزارة مع الجهات الحكومية المعنية بتنسيق سياسات تمكين المرأة المرتبطة بالميزانية، وذلك لضمان تخصيص الموارد بشكل فعال لدعم البرامج التي تعزز من تمكين المرأة، وتستند آلية المبادرة إلى تضمين السياسات المتعلقة بتمكين المرأة في السياسات المالية وإدارة المالية العامة، بتضمينها في عملية إعداد الميزانية العامة للمملكة ابتداء من عام 2023.

وتستهدف المبادرة في محورها الرئيس، توفير الدعم المنسق لتمويل أنشطة تمكين المرأة السعودية من خلال تسهيل وصولها إلى الموارد المتاحة لتمكينها من النمو والازدهار، وذلك بمشاركة جميع الجهات الحكومية ذات الصلة، أما أهدافها التفصيلية فتضمنت:

-ترجمة التزامات المملكة بشأن سياسات تمكين المرأة إلى التزامات في الميزانية العامة.

-رفع كفاءة الإنفاق على سياسات تمكين المرأة من قبل الجهات الحكومية ذات العلاقة.

-فهم وتحليل آثار قرارات الميزانية العامة على سياسات تمكين المرأة، والتأكد من متابعة التقدم المحرز.

-تحديد الدروس المستفادة لتحسين مخرجات السياسات المعنية بتمكين المرأة.

لا شك أن مبادرة وزارة المالية بتضمين ملف تمكين المرأة في الميزانية العامة للدولة، وبما يستحقه من دعم مادي وما يتطلبه من رفع كفاءة الإنفاق، وما يحتاجه من سياسات فاعلة تشارك فيها القطاعات الحكومية المعنية بإجراءات متكاملة وداعمة، وما يتطلبه ذلك من متابعة لمستوى الإنجاز المحرز بعد التقييم لمدى التزام القطاعات بالتنفيذ وفق المعايير المحددة بما يحقق الأهداف المرجوة؛ ليُعد نقلة نوعية، وقفزة كبرى في آلية ضبط وتقنين مستوى الإنجاز الفعلي في ملف التمكين، إذ إن رفع كفاءة الإنفاق بمخصصات معروفة من الميزانية العامة، والتنسيق بين القطاعات، لا يصب فقط في تعزيز تمكين المرأة ودعمها الحقوقي والتنموي، وإنما في صالح التنمية المستدامة الشاملة في جميع مساراتها الاجتماعية والاقتصادية.

مع إطلاق ميزانية تمكين المرأة في المملكة، تتطلع كثير من المواطنات- المطلقات- لمراجعة نظام الضمان الاجتماعي الجديد، الذي استثناهن من حقهن في الضمان الاجتماعي في حالة سكنهن مع أسرهن، في حين يستمر الدعم في حالة السكن المنفصل، لما في ذلك من هضم لحقوقهن وعدم تقدير لمتطلباتهن واحتياجاتهن الخاصة، علاوة على أنه لا يخدم ملف تمكين المرأة ودعمها وحمايتها من العنف الأسري، لتكون عنصراً أساسياً مشاركاً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.