نحن متأخرون فيما يتعلق بتطبيق أكواد التصميم العمراني المعتمدة فيما يتعلق بمواصفات الشوارع الحضرية ومكوناتها من شيكات أرصفة ومعابر مشاة ومتأخرون في مفهوم العدالة المكانية الاجتماعية... وعلى الرغم من ذلك، البعض لا يريدها ولا يفكر إلا في مصلحته الشخصية حين يكون وراء مقود السيارة!

في كثير من المدن ما زالت العلاقة بين الإنسان والشارع تُبنى بعقلية المركبة أولا، وكأن المدينة خُلقت لعبور السيارات لا لحياة البشر. وحين تُهمَّش الأرصفة، وتُختزل معابر المشاة، وتغيب عناصر السلامة والجمال والراحة، فإننا لا نخسر مجرد تفاصيل عمرانية، وإنما نخسر جزءًا من العدالة الاجتماعية ذاتها.

العدالة المكانية ليست شعارًا نظريًا يردده المختصون في المؤتمرات، وإنما مفهوم حضاري عميق يقوم على حق الإنسان في الوصول الآمن والعادل والمتكافئ إلى المدينة وخدماتها ومرافقها. الطفل، وكبير السن، وذوو الإعاقة، والمرأة، والموظف، والطالب، وحتى السائح... جميعهم يجب أن يشعروا أن المدينة صُممت لهم، لا أن عليهم مجابهتها يوميًا.


المشكلة أن بعض الناس ينظر إلى أي محاولة لتنظيم الشارع أو توسيع الأرصفة أو إنشاء مسارات مشاة باعتبارها اعتداءً على «راحة السائق»، وكأن حق الإنسان في السير الآمن أقل أهمية من اختصار دقيقة خلف المقود. هذا التفكير الفردي الضيق يعكس فجوة ثقافية قبل أن يكون اعتراضًا على مشروع عمراني. المدينة الحديثة لا تُقاس بعدد الجسور والأنفاق فقط، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان العادي ومنحه كرامة الحركة داخل الفضاء العام.

في مدن كثيرة حول العالم، تحوّل مفهوم العدالة المكانية إلى جزء أساسي من التخطيط الحضري. في كوبنهاغن الدنماركية، جرى إعادة تصميم الشوارع لتقليل هيمنة السيارة ومنح المشاة والدراجات أولوية حقيقية، فتحولت المدينة إلى واحدة من أكثر مدن العالم جودة للحياة. وفي برشلونة الإسبانية، طُبّق نموذج «السوبر بلوك» الذي يحد من دخول المركبات إلى بعض الأحياء ويعيد الشوارع إلى السكان والمساحات الإنسانية. أما في سنغافورة، فقد تم دمج النقل العام والمشاة والمساحات الخضراء ضمن رؤية موحدة تجعل المدينة أكثر عدالة وكفاءة واستدامة.

هذه التجارب لم تنجح لأنها حاربت السيارات، وإنما لأنها أعادت ترتيب الأولويات. فالشوارع ليست ممرات إسفلتية فقط، وإنما فضاءات اجتماعية واقتصادية وثقافية وصحية. كل رصيف جيد يرفع جودة الحياة، وكل معبر مشاة آمن يحفظ الأرواح، وكل مساحة ظل أو تشجير تخفف قسوة المناخ وتمنح المدينة روحًا إنسانية. المملكة اليوم تعيش تحولات حضرية هائلة ضمن رؤية 2030، ومع هذا التحول تظهر فرصة تاريخية لإعادة تعريف مفهوم المدينة السعودية. المشاريع الكبرى في الرياض وجدة والشرقية وغيرها تفتح الباب أمام تبني أكواد تصميم عمراني أكثر صرامة ووضوحًا فيما يتعلق بالأرصفة، وعناصر التهدئة المرورية، وإمكانية الوصول، والممرات المظللة، والربط بين الأحياء والخدمات.

تطبيق العدالة المكانية في المملكة لا يحتاج إلى نسخ أعمى للتجارب الدولية، وإنما إلى تكييف ذكي يراعي المناخ والثقافة وطبيعة المجتمع السعودي. يمكن مثلا تطوير أرصفة واسعة ومظللة تتناسب مع حرارة الصيف، وربط المدارس والمساجد والحدائق بمسارات مشاة آمنة، وفرض معايير موحدة لمعابر المشاة في جميع المدن، وربط منح التراخيص البلدية بالالتزام الحقيقي بجودة المشهد الحضري لا بالمظهر الشكلي فقط.

كما أن نجاح هذا التحول يحتاج إلى تغيير ثقافي موازٍ. لا يمكن بناء مدينة عادلة بعقلية ترى المشاة عائقًا مروريًا. احترام الإنسان في الطريق جزء من التحضر، واحترام الفضاء العام انعكاس مباشر لوعي المجتمع بنفسه وبمستقبله.

المدينة العادلة ليست ضد السيارات، وإنما مدينة لا تجعل الإنسان الحلقة الأضعف فيها. وحين تصل المملكة إلى مرحلة يشعر فيها الطفل وكبير السن وذوو الإعاقة والمشاة عمومًا بالأمان والكرامة أثناء تنقلهم، فذلك يعني أننا لم نطوّر الشوارع فقط، وإنما طورنا معنى الحياة داخل المدينة نفسها.

احترام الإنسان في الطريق جزء من التحضر، واحترام الفضاء العام انعكاس مباشر لوعي المجتمع بنفسه وبمستقبله.