كتب الكثير عن كأس العالم الأخيرة، التي ولأول مرة، تقام على أرض ثلاث دول وهي المكسيك والولايات المتحدة وكندا. وقد صاحبها من التغطية الإعلامية في عدد من الجوانب الشيء الكثير. وتبقى «عمارة الملاعب» - كأماكن احتضنت هذا العرس الكروي الفريد، الذي استمر خمسة أسابيع، والذي لا يتكرر إلا مرة كل أربع سنوات - بحاجة إلى وقفة مفصلة أمامها.

بداية، إلى أي مدى تعتبر العمارة (عمارة الملعب) جزءا مهما من الاهتمام بكرة القدم؟ هذا سؤال مفصلي. فكرة القدم وجماهيرها المليونية في شتى بقاع الأرض لا تهتم إلا بالفوز، والفوز فقط بأي طريقة كانت، وبأنديتها ونجومها. غير أن للعمارة بطبيعتها حضور يفرض نفسه على أي مكان يوجد فيه الإنسان، فما بالك بأضخم مهرجان تشهده الأرض. من الجانب الوظيفي تعتبر سعة الملعب هي المحدد الأول لعمارته. ولذلك تصنف ملاعب العالم بناء على سعتها، وبطبيعة الحال فإن سعة الملعب مقياس لمكانته الدولية والفريق الذي يمثله، وانظر في هذا السياق لملعبي «الكامب نو» و«البيرنابيو» معقل قطبي الكرة الإسبانية، لتعرف أهمية الملعب، وكأنه هنا استمرار لناديه بغض النظر عن عمارته.

في النسخة الأخيرة من كأس العالم أبهرت الولايات المتحدة العالم بملاعبها، رغم أن هذا البلد يختلف عن العالم في أشياء كثيرة (ليس أقلها النظام المتري ومقياس الحرارة وكرة القدم أيضا). ولا تعتبر كرة القدم بمعناها المعروف لعبته الأولى حتى أن لها مسمى أمريكيا خاصا بها. ملاعب الكرة في أمريكا تبنى لكرة القدم الأمريكية وهي تختلف جذريا عن كرة القدم كما يعرفها العالم. ونظرا لقلة الأهداف في كرة القدم الدولية فإنها لم تحظ بالقبول لدى الأمريكان الذين يريدون (أكشن) رؤية تسجيل الأهداف كل دقيقة، كما هو الحال في كل رياضاتهم. هناك أيضا ملاعب كرة القاعدة BASE BALL التي تختلف في تصميمها كلية عن ملاعب كرة القدم، وهناك عدد كبير مما يعرف بالقباب الضخمة SUPER DOME في مؤشر بالغ الدلالة على علو كعب البلد في المنشآت الرياضية.


الذهاب لمشاهدة أي عرض رياضي جماعي في أمريكا هو أكثر من مجرد مشاهدة مباراة بين فريقين. إنه حدث ترفيهي يصحب بكل ما يمكن أن يصحبه من أكشن، وتشجيع، وصخب، وترفيه، وكل ما يخطر على بال المتفرج. الذهاب إلى ملاعب كرة القدم الأمريكية هو لكل متفرج حدث ترفيهي شخصي مكتمل الأركان. لذلك تتسم الملاعب الأمريكية بانسيابيتها وانحناءة مدرجاتها، لتتوافق مع متطلبات الترفيه الشخصي.

كل ملعب احتضن مباراة في كأس العالم له عمارته الخاصة، غير أن هناك ملعبان لهما طابع خاص في عمارتهما. الأول هو ملعب SOFI في ضواحي لوس أنجلوس، استضاف ثماني مباريات. يستمد الملعب تميزه من عدة مصادر أولها أنه مقام على أرض متنزه، ما يجعل منه مجمعا ترفيهيا في المقام الأول، ومشاهدة الكرة أحد مهامه. ولعل البلازا التي تسبقه تؤكد هذا الجانب. هنا أصبح الملعب مشروعا في عمارة البيئة، وتنسيق الحدائق، وتصميم الفراغ الحضري. في الداخل يبهرك سقف الملعب الشفاف والمغطى بالكامل وشاشته المتدلية منه، وتنقل مفهوم الفراغ والإحساس بالانتماء للمجموع، إلى بعد جديد كلية يشعر فيه الفرد وكأنه قد انتقل من مكان إلى آخر ضمن السياق الحضري والبيئي للمدينة.

الملعب الآخر هو ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بولاية جورجيا. هناك قراءتان معماريتان لهذا الملعب: خارجية وداخلية. من الخارج، الملعب عبارة عن شكل هندسي مثمن، متساوي الأضلاع، ذو أغلفة زجاجية ومعدنية، مثلثة الشكل، تتلاقى وتتلامس عبر ارتدادات منتظمة، تؤكد الشكل المثمن للملعب. في الأعلى يتحول السقف إلى دائرة، يمكن غلقها وفتحها حسب الحاجة. في هذا الجانب تحديدا «الجانب الهندسي للمثمن، واستدارته، وتكوين أجزائه»، نقلة نوعية للمثمن من مجرد شكل ثنائي البعد، إلى بناء ثلاثي الأبعاد، مكتمل الأركان. هنا يذكرنا بما ينتظر العمارة الإسلامية - فيما لو وظفت زخارفها الهندسية التي لا تحصى - من إبداع. من الداخل ونظرا للشكل المستطيل للملعب، يختفي الإحساس بالمثمن لتلبية الاحتياجات الوظيفية للمتفرجين. هذا ملعب أيقوني في شكله ورمزه وفي ارتباطه بواحدة من أغلى ماركات السيارات في العالم.

خارج نطاق المونديال تبقى الملاعب رموزا معمارية، إنها حلبات العصر الحديث. وبالنسبة لنا ربما هي «أسواق عكاظ» الحديثة، حيث التجمعات الأضخم للمتفرجين. تبقى ملاعب أندية مانشستر يونايتد في إنجلترا، وبايرن ميونخ الألماني، وسان سيرو الإيطالي، والكامب نو والبيرنابيو الإسبانيين، درر ملاعب العالم. من هذه الخمسة الكبار أرى أن ملعب سان سيرو في ميلان (الذي نجا مؤخرا من عملية هدم لنتخيل فقط) هو أبرز ملاعب العالم عمارة.