في سبتمبر هذا العام، دخل طلاب جامعة الرياض للفنون قاعاتهم الدراسية للمرة الأولى. وفيما وراء هذا المشهد الذي يبدو عاديا نقرأ تفاصيل أكثر تأثيرا. فما يدخل الجامعة لا يمكن تصنيفه هواية، بل معرفة حقيقية ذات أصول تستحق أن تدرس وتبحث، وتمنح فيها الدرجات العلمية.

تبدأ جامعة الرياض للفنون بأربع كليات وثمانية برامج في «السينما والموسيقى والمسرح والإدارة الثقافية»، على أن تتوسع تدريجيا إلى ثلاث عشرة كلية بحلول 2030، تشمل «الأزياء والتصميم والعمارة والفنون البصرية والمتاحف والمكتبات والمخطوطات وفنون الطهي والدراسات التراثية».

هذه الخريطة وحدها تطرح سؤالا حول ما يمكن أن نعتبره معرفة.


اعتدنا أن يكون للطب والهندسة والعلوم والقانون مقاعد طبيعية في الجامعة، بينما بقيت مجالات فنية كثيرة في المخيلة الاجتماعية مرتبطة بالموهبة والهواية والتجربة الفردية. لكن إنشاء مؤسسة أكاديمية تجمع هذه المجالات، تكشف لنا ما نحتاجه لتحويل الموهبة إلى معرفة حقيقية وممارسة احترافية.

صحيح أن الجامعة لن تمنح الممثل الحضور، كما لن تمنح الموسيقي حساسيته أو الروائي خياله. لكنها تستطيع أن تقدم للموهبة الأدوات ومناهج النقد والتجريب. نلاحظ مثلا أن برنامج التمثيل لا يقتصر على التدريب أمام الكاميرا أو على المسرح، بل يمتد للبحث الإبداعي والممارسة المهنية وريادة الأعمال والعمل الجماعي.

هذه ليست فكرة جديدة في تاريخ تعليم الفنون. حين تأسس (الباوهاوس) في ألمانيا 1919، لم يكن مدرسة لتعليم الرسم والتصميم فقط، لكنه قام بإعادة التفكير في العلاقة بين الفنان والحرفي والعمارة وشكل الحياة اليومية.

قبل ذلك بدأت الكلية الملكية للفنون في بريطانيا عام 1837، وكذلك ركزت على أن يتجاوز أثر التعليم الفني اللوحة والمنحوتة إلى التصميم الصناعي والمنتجات.

إذن يمكننا أن نقول بثقة، إن الفن حين يدخل المؤسسة الأكاديمية يجد طريقه إلى المجتمع والصناعة والحياة اليومية.

وهنا تكمن الأهمية الثقافية لجامعة الرياض للفنون، إنها تجربة تعليمية ترسخ مفاهيم جديدة حول ما يمكن أن تشمله مجالات المعرفة. بل وتدخل هذه المعرفة إلى دائرة الاقتصاد، فالموسيقى تصبح تاريخا ونظرية وتقنية وصناعة، وكذلك بقية البرامج والمجالات.

في خلفية هذا الحدث المهم يمكننا رؤية أن الثقافة الحية محتاجة لهذا العمل المؤسسي، لتتحول من تراث مؤرشف في الذاكرة، أو اجتهادات فردية، إلى وجود على الأرض يمكن تحسينه وتطويره ونقله واستثماره.

اليوم وبوجود هذه الجامعة ستكون لدينا أجيال سعودية ترى مبكرا أن الفنون جزء أصيل من المعرفة والسوق والإنتاج، لهذا أصبح للفن مقعد في الجامعة.

في خلفية الحدث يمكننا رؤية أن الثقافة الحية تحتاج هذا العمل المؤسسي، لتتحول من تراث مؤرشف في الذاكرة، أو اجتهادات فردية، إلى وجود على الأرض يمكن تحسينه وتطويره.