فيل في الغرفة، واضح وضخم والجميع يراه، لكننا نملك قدرة عجيبة على مناقشة كل شيء حوله إلا هو. نتحدث عن ضيق المكان، نحلل أسباب الفوضى، قد نختلف على من تسبب فيها، بينما الفيل جالس أمامنا بكل أريحية، فقط لأن لا وجود لشجاع في مواجهته والتحدث عنه.

في العمل - مثلًا - يغضب مدير من موظف، يراه مقصرًا أو غير كفء أو «ما يفهم»، فيبدأ رأيه بالتسرب في الممرات والاجتماعات والأحاديث الجانبية. يخبر مديرًا آخر، ويعلق أمام زميل، ويرمي جملة هنا وأخرى هناك، وهو في الغالب لا يقصد تشويه سمعة الموظف، لكنه يفعل ذلك بالتقسيط. وبعد فترة يتكون لدى الجميع انطباع سلبي عن الموظف، والشخص الوحيد الذي لا يعرف أن لديه مشكلة هو الموظف نفسه.

الاحتمال الذي نهرب من التفكير فيه، أن المدير قد يكون مخطئًا أصلًا، أو أن الموظف اجتهد في الاتجاه الخطأ، بسبب توجيه إداري غير واضح، أو لم تصله الأولويات كما ينبغي، أو كان ينتظر توجيهًا لم يأتِ. كل هذه الاحتمالات يمكن كشفها بحوار واحد، لكن يبدو أن تقييم الموظف في غيابه أسهل من الجلوس أمامه وقول: هذا ما أريده منك، وهذا ما لم يتحقق، وهذا ما يجب أن يتغير. ثم نستغرب لماذا لم يتحسن! كيف سيتحسن وهو آخر من يعلم؟


والأسوأ أن الخطأ هنا لم يعد مجرد ضعف تواصل، لأن رأي المدير له وزن. جملة عابرة منه قد تتحول إلى سمعة مهنية كاملة، وقد تسبق الموظف إلى مشروع أو ترقية أو فرصة جديدة. المدير يعتقد أنه عبّر عن ملاحظة، والموظف يدفع فاتورة ملاحظة لم يسمعها أصلًا. فإذا كنت ترى أن أداء موظفك سيئ، أخبره قبل أن تخبر العالم. قد تكتشف أن المشكلة فيه فعلًا، وقد تكتشف -وهذه أصعب قليلًا- أن المشكلة في توجيهك أنت.

لا يختلف المشهد كثيرًا بين الزملاء في المجال نفسه. يعتب أحدهم على شخص بسبب موقف أو كلمة أو تصرف، وبدل أن يسأله مباشرة، تبدأ نشرة الأخبار المهنية: «فلان غريب»، «مدري وش فيه»، «تغير كثير»، ثم تأتي العبارة الخطيرة التي تفتح باب التحليل الجماعي: «أنت لاحظت عليه شيء؟». وخلال أيام يصبح موقف واحد «ملفًا متكاملًا»، كل شخص يضيف إليه تجربته وتحليله، حتى تتشكل صورة عن إنسان لم يُدعَ أصلًا للدفاع عن نفسه. المضحك أننا نسمي ذلك أحيانًا «عتبًا». للعلم.. العتب الذي لا يصل لصاحبه ليس عتبًا، هو إساءة له.

لو كان فعلًا عزيزًا عليك، أو زميلًا تحترمه، أو شخصًا ستستمر في مقابلته داخل الوسط نفسه، فالأولى أن يعرف منك قبل أن يعرف عنه الجميع. قد يقول لك: فهمتني خطأ، قد يعتذر، قد يشرح، وقد تتمسك أنت بموقفك. كلها نتائج أفضل من أن يعرف نصف المجال أن فلانًا «غريب»، بينما فلان نفسه يشرب قهوته ولا يعرف أن سمعته صارت «كرنفال تشويه» ممن يعرفه ومن لا يعرفه.

إذا كنا نفعل ذلك في العمل والمجتمع المهني، فإن الصمت يصبح أثقل عندما يدخل العلاقات الأقرب، حيث توجد أحيانًا موضوعات «عاطفية وغريزية» شديدة الخصوصية، يتحرج البعض من خوضها حتى مع شريك حياته. هنا لا تختفي المشكلة لأننا لم نتحدث عنها؛ بالعكس، تبدأ في النمو بعيدًا عن الضوء. احتياج لا يُقال يتحول إلى إحباط، والإحباط إلى تفسير، والتفسير إلى شك في النفس أو في الطرف الآخر، ثم يبدأ كل شخص في اختراع الإجابة التي لم يملك الشجاعة ليسأل عنها. والعقل إذا لم تعطه إجابة، سيكتب واحدة من عنده، وغالبًا لن يكتب شيئًا لطيفًا.

لهذا قد تبدأ المسألة بأمر كان يمكن مناقشته بهدوء، ثم تكبر حتى تتحول إلى ضغط نفسي مستمر وشعور بالرفض أو النقص أو الوحدة، وقد تصل آثارها إلى اضطرابات نفسية حقيقية. ليس لأن المشكلة الأولى كانت بهذه الضخامة، بل لأننا تركناها تكبر في الظلام، وكل طرف ينتظر من الآخر أن يفهم شيئًا لم يقله له.

هذا تقريبًا ما نفعله مع معظم «الأفيال» في حياتنا: نراها، نتأثر بها، نتحدث عنها مع الآخرين، نعيد تفسيرها مئة مرة، ثم نتحاشى الشخص الوحيد الذي يمكن أن يحلها معنا.

إذا كانت مشكلتك معي، تحدث معي. إذا كان لديك عتب عليّ، عاتبني. إذا كنت تديرني وترى أنني أخطئ، وجّهني قبل أن تقيّمني. وإذا كان بيننا ما يؤلمك، فلا تنتظر مني قراءة أفكارك، ثم تعاقبني لأنني فشلت في ذلك.

لسنا بحاجة إلى مزيد من مهارات الكلام؛ نحن نتكلم كثيرًا أصلًا. نحتاج فقط أن نوجه الكلام إلى المكان الصحيح. لأن «الفيل في الغرفة» لن يختفي إذا تجاهلناه؛ بل يسمن إن لم يقتله أحد.

أخيرًا..

تحدث عن الفيل الذي في الغرفة.