دخل والدان إلى العيادة يحملان رضيعاً، لا يتجاوز عمره أياماً، وما إن جلسا أمامي، حتى أخرجت الأم من حقيبتها، كيساً ممتلئا، وأخذت تلقي الأدوية وتصفها على الطاولة التي بيننا، فسألت، (أدوية مين هذه! لا تقولوا إنها للنونو)، وأنا أعرف أنها له، فكلها مخصصة لصغار الرضع، هزت الأم رأسها وهي تبتسم، (أيوا يا دكتوره، كل ما تعب أخذناه لعيادة، وكل طبيب كتب لنا دواء شكل). الحكاية التي قد تمر على كثير من أطباء الأطفال، وغالباً «مختصي طب حديثي الولادة»، كثرة قلق الأبوين، بالذات لو كانا متقدمين في السن وهذا مولودهما الأول أو أبوين في مقتبل العمر، فكلما بكى الصغير أخذاه للطبيب، وما إن يعاينه وأعين والديه تراقبه بخوف، حتى يسألاه، ماذا به؟ «ما ينام في الليل، يبكي طوال الوقت، عينيه فيها صفار، يرفض الرضاعة الطبيعية، الدكتور غيّر له الحليب، نسمع شخيراً من أنفه، نشعر أنه مكتوم، حينما نحمله نحس ببلغم في صدره، يكح أحياناً، يستفرغ ما رضعه مرات أخرى»، قائمة من الشكاوى يستمع إليها الطبيب، أسهل إجراء، كتابة دواء لكل شكوى، دواء للمغص، مع تغيير الحليب، سواء كان مسوقاً للحليب أو لا، قطرات ملحية للأنف، وفي بعض الممارسات يصفون جهاز بخار، يعلمون الأهل كيفية استخدامه، لا يضر وصف مضاد للهيستامين لإيقاف الكحة التي تكررت مرة أو مرتين، في أقدم وأسوأ ممارسة طبية لعلاج الصفار يصرف شراب الجلوكوز، يمكن إعطاء دواء للترجيع كالدومبي. لكل عرض علاج، أحياناً كثيرة يرتاح الأهل لهذا النوع من الأطباء، الذي فهم شكواهم وصرف كيسا من الأدوية وزنه قرابة 2.5 كجم لمولود لا يتجاوز وزنه 2 كجم.

الاستماع لشكوى والدين، قلقين على صحة طفلهما، يحتاج إلى صبر، تحليل كل معلومة، وإلى أسلوب بسيط في إيصال المعلومة، عشر دقائق غير كافية لمعاينة طفل رضيع في العيادة، فكل شكوى تحتاج إلى تفاصيل أكثر، وتثقيف الوالدين جزء لا يتجزأ من مهمة الطبيب، من الممكن أن يدخل المريض للطبيب بكيس من الأدوية ويخرج متحرراً من ذلك، إلا من دواء أو اثنين وكثير من الثقة أنه بخير.

في كل مرة يأتي فيها رضيع صغير للعيادة بسبب البكاء، الغازات، تغير نمط رضاعته أو سعال بسيط، علينا قبل أن نمد أيدينا لكتابة الوصفة أن نتوقف قليلًا، هل فحصناه جيدًا؟ هل سألنا أكثر عن رضاعته؟ أقيّمنا نموه؟ هل استبعدنا علامات الخطر؟ ما إذا استمعنا إلى الأم جيداً؟ شرحنا لها ما هو طبيعي في هذا العمر؟ هل يحتاج فعلًا إلى هذا الدواء؟ ثم السؤال الأصعب، لو لم يكن هذا الدواء متوفراً لدينا، فهل كنت سأتعامل مع هذه الحالة بالطريقة نفسها؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا الكثير.


لا ندعو إلى ترك الأطفال بلا علاج، بل إلى شيء أكثر دقة، أن نعالج المرض عندما يوجد، لا أن نعالج قلقنا من وجوده، وأن نتذكر أن أجسام صغار الرضع ليست مكانًا لتجربة الأدوية، ولا ينبغي أن تصبح مخاوف والديهم بوابة لتسويق مزيد من المستحضرات.

لعل أجمل ما يمكن أن يسمعه أبوان قلقان بعد فحص طفلهما جيدًا ليس اسم دواء جديد، وإنما جملة بسيطة:

(طفلك بخير، ولا يحتاج إلى كل هذه الأدوية)

تقدم الطب لا يُقاس بكثرة العلاجات، والطبيب المتمكن لا يثبت علمه بكثرة ما يصف من الأدوية، وأحيانًا أكثر الوصفات أمانًا للرضيع هي الأقل، لأن الدواء حين يحتاجه الطفل يكون علاجاً، وحين لا يحتاجه يصبح خطراً يهدده،

عندما يتحول الطب إلى وسيلة للكسب على حساب خوف الأهل، فالقضية ليست إفراطًا في العلاج فقط، بل قضية أخلاق مهنة.