ما زالوا يقولون في قريتنا: «ركيبُهْ كبيرُ»، بضمة في آخر الكلمة، كأنها لم تغادر مكانها منذ قرون، فلم يكن المتكلم يشرح قاعدة، ولم يكن يقرأ في كتاب نحو، بل كان يتكلم كما سمع آباءه وأجداده في القرية، وتلك الضمة الصغيرة هي التي فتحت لي باباً واسعاً، فليس ما بقي من الفصحى في لهجات القرى إشارات نادرة، بل حركاتٌ وأواخر كلمات ما زالت تحفظ أثر الإعراب.

في لهجة قريتنا، وفيما سمعته لدى بعض قبائل زهران في تهامة، تُضم أواخر النكرات المجردة: بيتُ، وغديرُ، والضمة لا تقف عند الاسم المجرد، فهي تظهر أيضاً مع الضمير في لهجتنا وفي بعض قبائل محافظة أضم والليث، وفي جيوب من قبائل مكة والطائف: فهم وهذيل وقريش وسفيان، فيقولون: سيارتُه، عقالُه، وفي المقابل تفتح أواخر الكلمات المتصلة بضمير المتكلمين أو المخاطبين أو الغائبة في اللهجة نفسها وامتداداتها في أضم والباحة وجنوب مكة: بيتَنا، ملعبَكم، مدرستَها.

ومن أجمل ما بقي كسرُ كلمة «أمسِ»، فيقولون: «جينا من أمسِ»، وقد سمعتها في جنوب الطائف، خاصة عند بني مالك وثقيف وبلحارث، فالكسرة هنا هي الصيغة الفصيحة نفسها، حية في أفواه الناس كما في بطون الكتب.


أما السكون فهو الشائع في معظم الكلمات، غير أن الكلمات المتصلة بالضمائر تختلف من لهجة إلى أخرى، فتسكين المتصل شائع جداً: راحتْنا، بلدْنا، بيتْكم، عوايدْكم، وإلى جانب السكون يعيش التنوين في مواضع محددة، فمنه تنوين الضم: بابٌ ومطرٌ، وقد سمعته في بعض قبائل بني هلال ويشيع في لهجات الباحة، ومنه أيضا تنوين الفتح: رجّالًا طيب، مكسبًا جيد، في بعض قبائل الطائف وشمال مكة، وله امتداد في نجد والشمال، أما تنوين الكسر، نحو «بخيرٍ وعافيه»، فقد سمعته في بعض لهجات الجنوب، لكن صورته عندي أضعف، وأحتاج إلى من يؤكد موضعه بدقة.

ويلتزمون في كثير من كلامهم بقاعدة حذف ياء الاسم المنقوص إذا كان نكرة، فيقولون: وادٍ مبحر، وقاضٍ عادل، حتى أنهم قاسوا (شاهي) على تلك القاعدة فيحذفون ياءها ويقولون: «شاهٍ محكور»، وهذا الحذف جارٍ على سنن الفصحى في الوصل والتنوين، ويظهر في النكرات المجردة، أما عند الإضافة أو التعريف فتعود الياء في قولهم: قاضي المحكمة، ووادي الكفو.

وفي الأفعال تظهر طبقتان متجاورتان، فإثبات ميم الجمع أقل من حذفها، لكنه ما زال حيّاً في لهجتنا وبعض قبائل تهامة والطائف والباحة وجنوب مكة: رميتم، تعشيتم، عرفتموه، والشائع عند كثيرين حذف الميم والاستغناء بواو الجماعة: عرفتوا، لقيتوه، تغديتوا، وكذلك نون الأفعال الخمسة: ترين، تشربين، يكتبون، يسألون، وقد سمعتها في لهجتنا وفي لهجات متفرقة جنوب مكة وفي المنطقة الجنوبية، وتثبت أيضاً مع الضمير: تطبخينه، يعرفونك، يزورونهم، والحذف أوسع انتشاراً: تري، تشربي، تكتبوا، يسألوا، يعرفوك، تطبخيه، يزوروهم.

أما الأسماء الخمسة، فما سمعته منها أقل وأضيق انتشاراً، ففي جنوب المملكة، عند بعض قبائل عسير ونجران، سمعت قولهم: «الولد على أبيه»، بياء الجر في (أبيه)، وهو أثر قد يكون من بقايا إعراب تلك الأسماء، لكن الحكم عليه يحتاج إلى تتبع أوسع، وفحص أدق.

هذه العلامات ليست إعراباً كاملاً، إنما هي صيغٌ محفوظة لا تتغير بتغير موقع الكلمة في الجملة، لكن بقاء الضمة والفتحة والكسرة والتنوين ونون الرفع وميم الجمع في قرى محددة يعني أن اللهجة لم تقطع صلتها بالنظام القديم دفعة واحدة، فالحواضر تسهّل وتحذف، والقرى تحتفظ بما سمعته من الآباء.

إنها بقايا، لكنها ما تزال حية في ذاكرة القرية إذا أنصتنا، لهذا تستحق هذه الملحوظات اهتمام الباحثين اللغويين، وتنقيبهم أعمق في اللهجات، فاللهجة طبقات متراكمة عبر الزمن، ومن أراد أن يفهم كيف تحول لسان الناس في الجزيرة، فلن يجد أفضل من لهجات القرى.