في أيام معدودة، بدا كأن خريطة أمن الطاقة في المنطقة تُختبر من أكثر من جهة في وقت واحد، إذ تعرض خط أنابيب شرق–غرب في السعودية لهجمات بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، وهو أحد أهم المسارات الإستراتيجية لنقل الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز، وشهد اليمن تطورات ميدانية رفعت مستوى المخاطر المحيطة بباب المندب، أحد أهم ممرات التجارة البحرية الدولية، فيما أعلن العراق خططًا لزيادة قدرته على التصدير عبر سوريا وتركيا إلى أكثر من مليون برميل يوميًا.

تأتي هذه التطورات في وقت لم تعد فيه المخاطر المرتبطة بالطاقة محصورة بممر واحد، بل باتت تمتد إلى الطرق والبدائل التي يُعوّل عليها عند الأزمات، وهو ما يفرض إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة نفسه، من حماية مصدر أو طريق بعينه، إلى حماية شبكة كاملة من الممرات والمنافذ.

لسنوات طويلة ارتبط الحديث عن أمن الطاقة في الخليج بمضيق هرمز، وهذا مفهوم بالنظر إلى حجم النفط والغاز الذي يمر عبره، وإلى موقعه بوصفه البوابة البحرية الطبيعية لعدد من أكبر المنتجين في العالم. ولذلك استثمرت دول المنطقة مبكرًا في إيجاد مسارات تمنحها مرونة أكبر، وفي مقدمتها خط شرق–غرب الذي يصل شرق المملكة بساحل البحر الأحمر، وخط الأنابيب الإماراتي إلى الفجيرة خارج المضيق.


لكن الأحداث الأخيرة تعيد طرح المسألة من زاوية مختلفة، فوجود طريق بديل لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة، لأن البديل نفسه يعمل داخل جغرافيا لها حساباتها ومخاطرها. وإذا كان البحر الأحمر يمثل منفذًا مهمًا ومكملًا لهرمز، فإن الوصول إليه يجعل أمن باب المندب أكثر أهمية، تمامًا كما أن أي اضطراب عند بوابته الجنوبية ينعكس على حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ومن هنا تأتي خطورة التطورات الأخيرة في اليمن، فالمسألة لا تتعلق بتفاصيل التقدم والتراجع على الأرض، وهي بطبيعتها قابلة للتغير، بقدر ما تتعلق بحقيقة أن اتساع قدرة ميليشيا الحوثي على تهديد الملاحة في محيط باب المندب والبحر الأحمر يعني اتساع آثار الأزمة اليمنية إلى خارج حدود اليمن.

واختبر العالم ذلك فعليًا خلال السنوات الماضية، فتهديد السفن في البحر الأحمر لم يبق حادثًا أمنيًا محدودًا، بل دفع شركات شحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول إفريقيا، وما يعنيه ذلك من وقت أطول وكلفة أكبر وتأثير في التأمين وسلاسل الإمداد، أي أن السفينة قد تجد طريقًا آخر، لكن اقتصاد العالم يدفع ثمن هذا الطريق.

ويحدث هذا في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تعدد الممرات لا تقليصها، فإذا واجه هرمز أزمة، تصبح طرق البحر الأحمر أكثر أهمية، وإذا تعرض باب المندب للضغط، تتراجع قيمة جزء من هذه المرونة. وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة لا يكفي فيها البحث عن بديل لممر واحد، وإنما عن منظومة من الطرق لا يستطيع اضطراب أحدها أن يربك بقية الشبكة.

وفي هذا السياق تبدو الخطوة العراقية الأخيرة لافتة، فالعراق الذي يعتمد بدرجة كبيرة على منافذه الجنوبية، يبحث في توسيع خياراته عبر تركيا وسوريا وصولًا إلى البحر المتوسط. وإذا تحولت هذه الخطط إلى مسارات عاملة وموثوقة، فإنها ستضيف منفذًا مختلفًا جغرافيًا عن هرمز والبحر الأحمر، وتمنح منظومة الطاقة الإقليمية قدرًا أكبر من المرونة.

لكن تعدد الطرق وحده لا يكفي، فالأنابيب والموانئ لا تعمل في فراغ، وأمن الطاقة لا يمكن فصله عن استقرار الدول والممرات التي تعبرها، وهنا تصبح أزمة اليمن أكثر من شأن داخلي، لأن باب المندب لا يخدم اليمن وحده، بل يمثل إحدى البوابات الرئيسية للتجارة الدولية وأمن البحر الأحمر.

هذه الحقيقة كانت حاضرة في التحرك السعودي قبل أسابيع، عندما قادت المملكة مبادرة تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، بهدف تعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وعكس هذا التحرك إدراكًا مبكرًا بأن الممرات البحرية لا يمكن أن تبقى مسؤولية دولة واحدة، فيما تعتمد عليها عشرات الدول واقتصادات كبرى حول العالم.

وبالتأكيد فإن أمن البحر الأحمر لا يُصنع في البحر وحده، بل يظل مرتبطًا بما يجري على اليابسة أيضًا، وهذا يعني أن أي إستراتيجية طويلة المدى تحتاج إلى مسارين متوازيين تبدأ بتعاون بحري إقليمي ودولي يحمي الملاحة، ودولة يمنية قادرة على ممارسة مسؤولياتها على أراضيها وسواحلها ومياهها ومنع استخدامها لتهديد الجوار والممرات الدولية.

ولا يعني ذلك البحث عن جولة جديدة من الحرب، بل الوصول إلى وضع تصبح فيه مؤسسات الدولة أقوى من الجماعات المسلحة، ويصبح أمن السواحل والموانئ جزءًا من وظيفة الدولة الطبيعية، لا ملفًا يحتاج إلى معالجة دولية مفتوحة.

ولا تستطيع المنطقة التعامل مع هرمز أو باب المندب باعتبار أي منهما ممرًا يمكن الاستغناء عنه بلا كلفة إستراتيجية واقتصادية كبيرة. لكن ما تستطيع فعله هو ألا تجعل أمنها الاقتصادي معلقًا على سلامة طريق واحد، أو على قدرة عسكرية بحرية وحدها، أو على تسوية سياسية منفصلة عن الجغرافيا.

فالتطورات الأخيرة تؤكد أن أمن الطاقة يحتاج إلى ثلاثة مستويات تعمل معًا، هي تنويع المسارات، وحماية الممرات بصورة جماعية، واستقرار الدول المطلة عليها وفي مقدمتها اليمن.

لهذا فإن من المهم بناء منظومة تجعل تعدد الطرق وتكاملها وحمايتها جزءًا من مفهوم الأمن الإقليمي نفسه، بالتوازي مع دعم دولة يمنية قادرة على بسط سلطتها وحماية ساحلها ومياهها، فعندما تتعدد الطرق، وتُحمى الممرات، وتستعيد الدول قدرتها على أداء وظائفها، يصبح من الصعب أن تتحول أزمة عند أحد البوابات البحرية إلى أزمة للمنطقة كلها.