ظل القلق حاضرًا بين الخريجين طوال موسم المطابقة، لأننا نعدّ شيئًا والطبيب الذي يسعى للحصول على مقعد تدريبي يعيش شيئًا آخر.
قبل أسابيع كتبت - هنا - عن ضرورة أن نخطط للرحلة كاملة، من القبول في كلية الطب، إلى التدريب ثم سوق العمل. وما جرى هذا العام يضيف تساؤلًا مهمًا: ماذا نعني أصلًا عندما نقول إن لدينا مقعدًا تدريبيًا؟
المقعد قد يكون معتمدًا ضمن الطاقة التدريبية، وقد يكون مطروحًا للمنافسة، وقد تكتمل له ترتيبات الرعاية، ثم يشغل فعليًا بطبيب يبدأ تدريبه. وبين هذه المراحل مسافة لا تظهر عندما نكتفي بالرقم الأول.
هذا العام أصبحت المسافة أكثر وضوحًا، فقد استحدثت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، إجراءً يقضي بالتحقق من اكتمال ترتيبات الرعاية لكل متدرب قبل إعلان قبوله، فالموظف ترتبط رعايته بمرجعه الوظيفي، وغير الموظف بمركز التدريب المقبول فيه.
هو إجراء مهم من زاوية ضمان استدامة التدريب، ويكشف في الوقت نفسه أن اعتماد المقعد يمثل بداية المسار وليس نهايته. فبعد أن كان السؤال يتركز على حجم الطاقة التدريبية، يصبح من المهم أيضًا أن نسأل: كم مقعدًا من هذه الطاقة أصبح قابلًا للإشغال الفعلي؟
هذا الفرق مهم لأن صناعة الطبيب تتوزع بطبيعتها بين جهات متعددة. الجامعة تخرج الطبيب، والهيئة توسع الطاقة التدريبية وتعتمد البرامج، ومراكز التدريب تستقبل المتدربين، والجهات الصحية تسهم في الرعاية والتوظيف. ومع اتساع أدوار هذه الجهات تصبح مواءمة حلقات السلسلة بينها بأهمية نجاح كل حلقة على حدة.
وحين تتأخر إحدى الحلقات يظهر أثر ذلك أولًا على الخريج، انتظارًا أو تأجيلًا أو إعادةً للمحاولة، رغم أن اكتمال المسار يعتمد على أطراف متعددة.
لهذا فالنقاش الذي صاحب موسم القبول، يستحق أن يقرأ أبعد من الحالات الفردية. فكثير من الأسئلة لم يعد يدور حول درجة القبول أو عدد المقاعد فقط إنما حول الرعاية، وعقد الطبيب المتدرب، وتوقيت اكتمال الإجراءات، والمقاعد التي تعود إلى المنافسة في جولات لاحقة.
ولا يعني ذلك أن منظومة التدريب لم تتوسع، بل على العكس. فالتوسع في الطاقة التدريبية أحد التحولات المهمة التي تحققت خلال السنوات الماضية. وربما يكون السؤال الذي نطرحه اليوم نتيجة طبيعية لهذا النجاح، فكلما تراجع تحدي توفير المقاعد، أصبح التحدي التالي، هو قدرة المنظومة على تحويل هذه الطاقة إلى مسارات تدريبية مكتملة.
هنا في اعتقادي نحتاج إلى تطوير المؤشر الذي نقيس به النجاح. فبدل أن نعرف فقط عدد المقاعد المعتمدة، من المفيد أن نعرف أيضًا عدد المقاعد التي طرحت، وعدد المقاعد التي اكتملت لها ترتيبات الرعاية، وعدد المقاعد التي شغلت فعليًا. الأول يقيس الطاقة، بينما تكشف المؤشرات الأخرى قدرتنا الفعلية على تحويلها إلى تدريب.
مع تطبيق النموذج الجديد سيكون من المفيد متابعة أثر ترتيبات الرعاية في إتاحة المقاعد، ومقارنة ما يعتمد منها بما يكتمل ويشغل فعليًا. فهذه البيانات يمكن أن تساعد على تطوير النموذج عامًا بعد عام، وتكشف أين تحتاج الرحلة إلى مزيد من المواءمة.
ثم تأتي الحلقة التي لا تقل أهمية: ماذا يحدث بعد التدريب؟
الهدف ليس فقط أن يدخل الطبيب برنامجًا تخصصيًا ويكمله، إنما أن تظل أعداد المتدربين وتوزيع تخصصاتهم مرتبطة بالاحتياج المتوقع للنظام الصحي والمناطق المختلفة، بعد أربع أو خمس سنوات.
لهذا ربما نحتاج إلى الانتقال من مفهوم «الطاقة التدريبية» وحده، إلى مفهوم أوسع وهو المسار التدريبي المكتمل. أي أن يكون فتح المقعد مرتبطًا منذ البداية بوضوح ترتيبات الرعاية واستدامتها، وأن تقرأ أعداد المتدربين، إلى جانب الاحتياج المتوقع للتخصص، والمناطق التي ستحتاجهم لاحقًا.
هنا يصبح من المفيد وجود مؤشر سنوي لا يخبرنا فقط كم طبيبًا تخرج، وكم مقعدًا تم اعتماده، إنما يجب أن نضيف مؤشرًا مهمًا لمعرفة كم مقعدًا شغل فعليًا، وكم طبيبًا أكمل تدريبه وأين اتجه بعده.
هذه ليست تفاصيل إدارية صرفة، إنها الفرق بين أن نخطط للطاقة، وأن نخطط للطبيب. فقد تبدو الأرقام متوازنة على الورق:
خريجون أقل من المقاعد، وبرامج أكثر من السابق، وطاقة تدريبية تتوسع. ومع ذلك قد يبقى القلق قائمًا، لأن الإنسان لا ينتقل بين الأرقام تلقائيًا.
الطبيب لا يحتاج إلى مقعد في كل محطة، يحتاج إلى طريق متصل بينها.