حضرت قبل أيام «ملتقى الأوقاف النوعية: أوقاف التنمية المحلية نموذجًا» الذي نظمته غرفة الرياض، وخرجت منه بفهم مختلف قليلًا عن الصورة التقليدية التي كانت في ذهني عن الوقف. فالوقف، وإن كان في أصله حفظًا للأصل وإنفاقًا من ريعه في أوجه الخير، يمكن أن يتجاوز ذلك ليصبح أداة تنموية تسهم بصورة مباشرة في معالجة مشكلات المجتمع، متى بُني على معرفة حقيقية بالاحتياج، وأُدير بطريقة مؤسسية، وقيس أثره بوضوح.

أكثر ما لفتني في الملتقى أن الحديث لم يبدأ من سؤال: أين ننفق أموال الوقف؟ بل من سؤال يسبقه ويبدو أكثر أهمية: ما الذي يحتاجه المجتمع أصلًا؟

هذا التحول في السؤال مهم؛ لأن الرغبة في فعل الخير وحدها لا تكفي لصناعة أثر مستدام. فقد تكون في مدينة أو محافظة مجموعة من الاحتياجات: تأهيل الشباب للعمل، أو رعاية كبار السن، أو دعم ذوي الإعاقة، أو التعليم، أو السكن، أو غيرها.


وهنا لا يكون المطلوب مجرد اختيار أحدها، بل دراستها وترتيبها بحسب الأولوية وحجم الفجوة، ثم توجيه الموارد الوقفية إلى ما يحتاجه المجتمع بالفعل.

ظهر هذا المعنى بوضوح في عدد من أوراق الملتقى، ومنها ما تناول الاحتياجات المحلية والفجوات التنموية، وأولويات المجتمع، وكيف يمكن لدراسات الاحتياج أن تصبح أساسًا عند تأسيس الأوقاف. وهي فكرة تستحق التوقف؛ لأن الوقف النوعي لا يعني فقط أن نخصص المال لمجال معين، بل أن نربطه بمشكلة محددة نريد أن نخففها أو نسهم في حلها.

لكن الملتقى لم يتوقف عند مرحلة اختيار الاحتياج. إحدى الأوراق ناقشت تجارب لم يكتب لها الاستمرار، وهنا ظهر سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا تبدأ بعض المشروعات الوقفية بحماس ثم تتعثر؟

الإجابة تقود إلى الإدارة والحوكمة والاستدامة. فالمشروع الوقفي، مهما كانت غايته نبيلة، يحتاج إلى نموذج عمل واضح، ومسؤوليات محددة، ورقابة، واستثمار جيد للموارد، ومراجعة مستمرة للنتائج. الحوكمة هنا ليست مصطلحًا إداريًا زائدًا، بل ضمانة حتى لا يعتمد نجاح الوقف على اجتهاد شخص، أو يتوقف بتغير القائمين عليه. ثم يأتي الاختبار الحقيقي: قياس الأثر.

فإذا خصص وقف لتأهيل الشباب لسوق العمل، لا ينبغي أن يكون المعيار عدد البرامج التي أُقيمت أو حجم الأموال التي أُنفقت فقط، وإنما:

كم شخصًا استطاع بعد ذلك أن يحصل على فرصة عمل؟ وكم منهم استمر فيها؟ هنا ننتقل من قياس النشاط إلى قياس التغيير الذي أحدثه الوقف.

كان لافتًا في الملتقى حضور «استثمار المستقبل القابضة» بوصفها الشريك العلمي، وظهور دورها في بناء المحتوى العلمي وأعمال اللجنة العلمية. وهذا النوع من بيوت الخبرة المتخصصة مهم للقطاع؛ لأنه يضيف إلى الرغبة في الوقف المعرفة والدراسة والنماذج المهنية التي تساعد على استدامته وتعظيم أثره.

ويُحسب لغرفة الرياض، وللشريك العلمي، وللباحثين والمتحدثين الذين قدموا أوراق الملتقى، أنهم لم يكتفوا بالحديث عن فضل الوقف، بل انتقلوا إلى سؤال أكثر عملية: كيف نجعل الوقف جزءًا فاعلًا من التنمية المحلية؟

الوقف الناجح - في تقديري - ليس الأكبر قيمة بالضرورة، وإنما الأكثر فهمًا للحاجة، والأفضل إدارة، والأوضح أثرًا. وحين يصل العمل الوقفي إلى هذه المرحلة، فإنه لا يحفظ المال فقط، بل يصنع به تنمية مستدامة.