الذكرى الوطنية هي وقوفٌ أمام المعنى الذي بدأ في ذلك اليوم، ثم ظل يكبر في وجداننا حتى صار جزءًا منا في دواخلنا، ولا يخرج من ذواتنا إلا ليكون ظلًا نستظل به، ومستقبلًا نرنو إليه.

في 3 من ربيع الآخر سنة 1436، كانت المملكة على موعد مع انتقال تاريخي هادئ للحكم، عبرت فيه الدولة من رسوخ التجربة إلى جرأة التحول، ومن حفظ المنجز إلى صناعة منجز جديد.

في ذلك اليوم، بويع «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز» ملكًا، ليدخل سلسلة التاج السعودي رجل لم يأتِ إلى الحكم من خارج تفاصيله، بل جاء إليه من قلب ذاكرته؛ حفظ تاريخه، وعاش تحولاته، وصحب ملوكه، وظل الأقرب شبهًا بمؤسسه «الملك عبدالعزيز»، لا بقرب النسب وحده، وإنما بالقرب من فكره في بناء الدولة، والحفاظ على الملك، وفهم الرجال، وإدراك طبائع المجتمع، والموازنة بين ثبات الأصول وتغير الأحوال.


كان «الملك سلمان» يعرف الدولة قبل أن يكون ملكها؛ فقد عرفها أولًا في كنف رمزها الأول وموحدها العظيم والده «الملك عبدالعزيز»، ثم ما هي إلا سنيات قليلة لم تكمل العقدين من عمره ليعرف الرياض وهي في طور التشكل، ليقود هذا التشكل والتطور قرابة نصف قرن حتى غدت عاصمة للقرار والتأثير تلتقي عندها وفيها طرق السياسة والاقتصاد والعمران.

«إمارة الرياض» كانت مختبرًا واسعًا لمعرفة المجتمع السعودي: قبائله وأسره، علماؤه ومثقفوه، وتحولاته وحاجاته، وما يبقى فيه وما يتغير، ولهذا لم يكن التاريخ والاجتماع عند «الملك سلمان» علمًا مجردًا أو حكايةً تروى، أو ماضيًا يستحضر للتفاخر العابر، بل كان معرفةً لازمةً لصيانة الدولة وتوجيه المستقبل، فمن لا يعرف كيف نشأت الدولة لا يعرف كيف يحافظ عليها، ومن لا يفقه التضحيات التي صنعت وحدتها قد يستهين بالقيم التي تحرس بقاءها، ولذلك ظل «الملك سلمان» وثيق الصلة بالتاريخ الوطني، شديد العناية بمصادره ورجاله ووثائقه؛ لأن الذاكرة في فكره ليست مستودعًا للماضي، بل أحد مقومات الأمن المعنوي للدولة.

غير أن أعظم ما يميز القائد التاريخي ليس قدرته على حراسة ما ورثه فحسب، وإنما شجاعته في تجديده من غير أن يقطعه عن جذوره، وهنا تتجلى فرادة العهد السلماني؛ إذ لم يجعل الوفاء للماضي ذريعةً للخوف من المستقبل، ولم يجعل الانطلاق إلى المستقبل سببًا للتنكر للماضي، فجمع بينهما كما يجمع الجذع الراسخ بين الجذر العميق والغصن الصاعد: هذا يمنح الدولة معناها، وذاك يمنحها امتدادها.

في عهد «الملك سلمان» دخلت المملكة طورًا جديدًا من أطوارها الكبرى، أعيد بناء أجهزة الدولة على نحو أكثر تكاملًا، وتقدمت الكفاءة إلى صدارة العمل الحكومي، وتحولت التنمية من مشروعات متفرقة إلى رؤية وطنية شاملة، ومن رحم هذه الإرادة جاءت رؤية السعودية 2030، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لا بوصفها برنامجًا اقتصاديًا محدودًا، بل مشروع لإعادة اكتشاف القدرة السعودية. لقد كانت الرؤية إعلانًا بأن الوطن الذي صنع المعجزات في طور التأسيس قادر على صنعها في طور التحول، وأن الثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض وحدها، بل فيما يختزنه الإنسان السعودي من طاقة وطموح وخيال.

وهنا يظهر أحد أنبل وجوه القيادة في شخصية الملك سلمان: ثقته بالمستقبل، وثقته بالجيل الذي سيحمله، فالحاكم العظيم لا يقيس نجاحه بمقدار ما يحتفظ به من أدوات العمل، وإنما بمقدار ما يبني من رجال قادرين على حمل الدولة، وتوسيع منجزها، وصيانة مكانتها، وحينما دفع الملك سلمان بالأمير محمد بن سلمان إلى قلب المسؤولية، فإنه لم يختر للمملكة وليًا للعهد فحسب، بل اختار لها مشروعًا وطموحًا وإيقاعًا جديدًا يليق بحجمها وتاريخها.

لم يكن ذلك تسليمًا للمستقبل، وإنما مشاركةً في صناعته: حكمة الأب المؤسس للمرحلة، إلى جانب جرأة الابن القائد للتحول، ومن هذا التكامل نشأت معادلة العهد: ملك يحرس ثوابت الدولة وشرعيتها وعمقها التاريخي، وولي عهد يقود تحولها، ويعيد بناء أدواتها، ويفتح لطموحها آفاقًا لم تكن مألوفة.

وخلال هذه السنوات، لم تكن المملكة تتحول في الداخل وحده، بل كانت تعيد تعريف موقعها في العالم، فانتقلت من دولة ينظر إليها من خلال ثروتها ومكانتها الدينية فقط، إلى قوة سياسية واقتصادية وحضارية يصعب تجاوز إرادتها، حافظت على سيادتها، ونوعت شراكاتها، ودافعت عن أمنها، ومدت يدها للسلام من موقع القدرة، وجعلت مصالحها الوطنية معيارًا واضحًا لعلاقاتها ومواقفها.

وفي قلب ذلك كله، بقي الحرمان الشريفان أمانة الحكم الكبرى، وظلت خدمة ضيوف الرحمن شرفًا تتسابق إليه مؤسسات الدولة، فالملك الذي يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين لا يرى اللقب تشريفًا مجردًا، بل تكليف تتجدد مسؤوليته كل يوم: في التوسعة والتنظيم والرعاية والأمن، وفي تسخير أحدث ما بلغته التقنية لخدمة الحاج والمعتمر والزائر.

أما المواطن، فقد كان غاية التحول ووسيلته. اتسعت أمامه فرص العمل والإبداع، وحضرت المرأة شريكًا كاملًا في التنمية، وتقدم الشباب إلى مواقع القيادة، وانفتحت الثقافة والفنون والسياحة والترفيه، لا بوصفها هوامش في حياة المجتمع، بل عناصر أصيلة في جودة الحياة وبناء الإنسان. لقد تغيرت صورة السعودي عن وطنه، ثم تغيرت صورة العالم عن السعودي؛ لأنه ظهر كما هو: قادرًا، متعلمًا، طموحًا، ومنتميًا إلى هوية راسخة لا تخشى الانفتاح، لأنها تعرف نفسها جيدًا.

إن البيعة في الوجدان السعودي ليست إجراءً سياسيًا عابرًا، بل ميثاق ثقة بين القيادة والشعب، تتصل به شرعية الدولة، وتنتظم به وحدتها، وتستقيم به مسيرتها، وحينما يتذكر السعوديون بيعة الملك سلمان، فإنهم لا يستعيدون يومًا في التقويم، بل يحملون الوفاء لرجل حمل أمانة الحكم الرشيد في زمن شديد التعقيد، فصان الثوابت، وثبت الدولة، وفتح أبواب المستقبل.

وفي ذكرى البيعة، نجد وطنًا عظيمًا يواصل رحلته آمنًا خلف قيادته، ثابتًا على أصوله، واثقًا بخطاه، فحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وحفظ سمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وأدام على بلادنا أمنها ووحدتها وعزها؛ فبين ملكٍ هو ذاكرة الدولة، وولي عهدٍ هو جرأة مستقبلها، تمضي السعودية كما أراد لها موحدها: راسخةً لا تتراجع، ومتجددةً لا تشيخ.