البيعة في التجربة السعودية ليست مشهداً بروتوكولياً عابراً، وإنما امتداد لعلاقة تاريخية بين القيادة والمجتمع، تأسست عليها الدولة واستقرت من خلالها مؤسساتها وانتقال مسؤولياتها عبر أجيال متعاقبة. ولهذا تحمل ذكراها في كل عام فرصة للتأمل في المسافة التي قطعتها المملكة، وفي طبيعة الدولة التي تتشكل للمستقبل.
منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، دخلت المملكة مرحلة شهدت تحولات واسعة في الاقتصاد والإدارة والثقافة والسياحة والتعليم وجودة الحياة. ولم يكن التغيير محصوراً في إطلاق المشروعات الكبرى، وإنما امتد إلى طريقة إدارة الدولة نفسها، ورفع كفاءة المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الاقتصاد، وإعادة تعريف موقع المملكة في كثير من الملفات الدولية.
وكان إطلاق رؤية السعودية 2030 من أهم محطات هذه المرحلة. فالرؤية لم تقدم برنامجاً اقتصادياً فحسب، وإنما وضعت تصوراً جديداً للمملكة التي تريد أن تكونها في العقود المقبلة؛ دولة تستثمر مواردها، وتستفيد من موقعها، وتمنح الإنسان مساحة أكبر للمشاركة والإبداع، وتبني اقتصاداً أكثر تنوعاً وقدرة على الاستمرار.
وخلال هذه السنوات تغيرت مدننا، واتسعت الخيارات أمام المجتمع، وظهرت قطاعات اقتصادية جديدة، وتحولت السياحة والثقافة والترفيه والرياضة إلى مكونات مؤثرة في الاقتصاد الوطني، وأصبحت المملكة وجهة لاستضافة أحداث ومؤتمرات ومناسبات عالمية كان حضورها فيها قبل سنوات يبدو بعيداً عن التصور.
ربما كان التحول الأعمق هو ذلك الذي حدث في سقف التوقعات الوطنية. فالمشروعات التي كانت توصف في السابق بأنها طموحة للغاية أصبحت اليوم جزءاً من النقاش اليومي حول مستقبل الرياض وجدة والعلا والدرعية والبحر الأحمر وغيرها. وانتقل السؤال تدريجياً من: هل نستطيع؟ إلى: متى ننجز؟ وكيف يكون الإنجاز أفضل؟
وفي قلب هذه التحولات يقف الإنسان السعودي، الذي لم يعد ينظر إلى المستقبل باعتباره شيئاً يأتي إليه، وإنما مساحة يشارك في صناعتها. جيل جديد يدخل سوق العمل بمعرفة مختلفة، وشباب وشابات يجدون أمامهم مجالات لم تكن موجودة قبل سنوات، ومجتمع أصبح أكثر اتصالاً بالعالم مع احتفاظه بجذوره وهويته الوطنية.
في السياسة الخارجية، حافظت المملكة على ثقلها العربي والإسلامي والدولي، وعززت قدرتها على بناء علاقات متعددة ومتوازنة، مستندة إلى مكانتها السياسية والاقتصادية والدينية، وإلى تاريخ طويل من الاستقرار والاعتدال. وفي عالم تزداد فيه الأزمات والاستقطابات، أصبحت القدرة على المحافظة على المصالح الوطنية وبناء الشراكات مع القوى المختلفة قيمة استراتيجية بحد ذاتها.
ولا تعني قراءة الإنجازات أن الطريق اكتمل، فالدول الطموحة لا تصل إلى نقطة تقول عندها إن مهمتها انتهت. لكل تحول تحدياته، ولكل مشروع كبير تكلفته وأسئلته، وتظل جودة التنفيذ ورفع كفاءة الخدمات وتحسين حياة المواطن وتعزيز الفرص الاقتصادية من أهم الاختبارات التي تحدد قيمة أي تحول على المدى الطويل.
هنا تكتسب ذكرى البيعة معناها الأوسع. فهي ليست مناسبة للنظر إلى ما تحقق وحده، وإنما مناسبة للنظر إلى ما بقي أمامنا أيضاً. فالمملكة التي تغيرت كثيراً خلال السنوات الماضية ما زالت في منتصف رحلة أكبر، والسنوات المقبلة ستحدد حجم الثمار التي ستنتجها الإصلاحات والاستثمارات والمشروعات التي يجري بناؤها اليوم.
قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتجدد من دون أن تفقد هويتها، وعلى الانتقال من مرحلة إلى أخرى مع المحافظة على استقرارها وتماسك مجتمعها. وهذه معادلة عرفتها المملكة طوال تاريخها، وتتجدد اليوم في صورة دولة أكثر طموحاً وانفتاحاً على المستقبل.
في ذكرى البيعة، يبقى الدعاء لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بالصحة والعافية، ولسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بالتوفيق والسداد، وللمملكة بالأمن والاستقرار والازدهار.
فالبيعة، في معناها الأعمق، ليست ذكرى عام مضى، وإنما ثقة بوطن يعرف من أين بدأ، ويدرك إلى أين يريد أن يصل.