جاوزت عناية القرآن بالمرأة حفظ حقوقها الظاهرة إلى رعاية مشاعرها الخفية، وخاصة في مواطن الفقد والانكسار. ومن أبدع شواهد هذه العناية والرعاية خطابه عنها في لحظة الطلاق، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾. هكذا سمّاها القرآن: «بيوتهن» مع أن رقبة البيت في الغالب مملوكة للزوج، لكن أضافه إليها؛ لأنه موطن سكنها، ومستودع ذكرياتها، والمساحة التي اطمأن فيها قلبها. صحيح أنه وقعت الفرقة، لكن بقي خاطر المرأة حاضرًا في التعبير القرآني، مصونًا بحكم الله. هكذا يدخل القرآن إلى أعماق النفس، فيحرسها في اللحظة التي تكون فيها أشد هشاشة وانكسارًا. وأحاطها التشريع بالرعاية في اضطراب اللحظة، فجعل العدة فسحة تهدأ فيها النفوس، وتراجع القرارات، وتستيقظ المودة الغافية: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، حتى الزمن وظفه القرآن لصالح المرأة لعله أن يمسح على القلب ويجبر الخاطر المكسور، ويؤخر القطيعة فربما عادت السكينة إلى البيت الذي أرهقه الغضب واستنزفته المشكلات. وأحاط الطلاق بسياج من المعروف والإحسان: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ونهى عن اتخاذ الرجعة أداة للانتقام: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. وأوجب للمطلقة عطاء يجبر انكسارها: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، ثم جعل ذلك ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فكأنه بقوله «حقًا على المحسنين» جعل هذا العطاء شارة الدخول في سلك أهل الإحسان والمروءة، فمن أراد منزلتهم فليجبر بالمال قلبًا كسره الفراق، فأي جلال في التكريم والمراعاة كهذا ؟!

وحتى بعد أن حدد القرآن للمطلقة قبل الدخول نصف المهر المفروض فتح بابًا أعلى من أبواب المروءة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. فالزواج قد ينتهي، والفضل يبقى، والذكريات لها حرمتها، والقلب الذي اختارك يومًا يستحق فراقًا كريمًا: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. فالمال في هذه المواضع يتجاوز قيمته المادية؛ يصير اعترافًا بأثر الفقد، ورسالة تقول لها:

قدرك مصون بعد خروجك من الحياة الزوجية، واليد التي فارقتك مطالبة بأن تترك في كفك شيئًا من الإحسان، وفي ذاكرتك صورة تليق بالعشرة.


وفي غمرة الحياة الزوجية يلفت النظر القرآن الكريم إلى تقادم الأيام على الحياة الزوجية ينبغي ألا يهدر حقها، بل أمر بحراسة خاطرها حتى مع فتور الميل وانصراف القلب: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وحمى قلب الزوجة من قسوة الهجر والميل: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، وحمى قلب الأم من اتخاذ ولدها وسيلة للضغط عليها: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. وصرّح بمقصده العاطفي تصريحًا آسرًا: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ﴾. إنه تشريع يراقب ما وراء الأفعال؛ يراقب انكسار القلب، ووحشة الهجر، وألم التفضيل، ومرارة أن تصبح المرأة معلقة بين زوجية باهتة وفراق مؤجل، فيحاصر أسباب أذاها قبل أن تتحول إلى جراح مقيمة. وفي قصة مريم عليها السلام جاء النداء في ذروة الوحشة: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾، ومع أم موسى جاء الوعد: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾، ثم تحقق الوعد ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾. وحين شكت امرأة أمر زوجها افتتحت سورة كاملة بإعلان سماعها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾.

هكذا يقف الإسلام بين فلسفات الأرض ومذاهبها ونحلها متفردًا بهذا التكريم العميق للمرأة، وهذا الإصغاء الرقيق لخاطرها. والطاعن في موقف الإسلام منها لا يخرج عن كونه:

إما أسير جهل بالشريعة أو خصومة معها؛ وإلا فالمتبصر في هدي محمد ﷺ يرى المرأة مكرمة غاية التكريم ومرعية حق الرعاية، فهي مصونة في زواجها، مجبورة في طلاقها، مسموعة في شكواها.

وكل تفسير يصنع من الشريعة أداة لامتهانها يحمل دليل فساده في داخله؛ لأنه يصادم روح القرآن ومحكم بيانه، فهذه - كما رأينا في هذه الأمثلة - عناية قرآنية فريدة تجاوزت ظاهر الحقوق إلى خفايا الشعور؛ فالشريعة كما حفظت للمرأة مهرها ونفقتها ومسكنها، حفظت – كذلك – لقلبها رضاه، وأطفأت حزنه، وجبرت كسره، فأي رعاية في الوجود تبلغ هذا المدى؟!