العدل قيمة، أما منظومة العدل فهي المؤسسات والأنظمة والإجراءات والضمانات التي تنقل تلك القيمة من الضمير إلى الواقع، ومن المثال الأخلاقي إلى حياة الناس.

ومن هنا لا تبدو التحولات العدلية في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان إصلاحًا قطاعيًا يخص المحاكم ووزارة العدل وحدهما، بل جزءًا من تصور سموه الأشمل للدولة؛ لأن الدولة التي تعيد بناء اقتصادها، وتحرر طاقات مجتمعها، وتستقبل الاستثمار العالمي، وتمنح الفرد مساحة أوسع للعمل والاختيار، لا تستطيع أن تفعل ذلك بمنظومة تشريعية يكتنف بعض جوانبها الغموض، أو تتفاوت فيها الأحكام في الوقائع المتشابهة، أو يطول فيها الطريق بين ثبوت الحق ووصوله إلى صاحبه.

لقد قامت المملكة منذ تأسيسها على مرجعية الشريعة الإسلامية، وكان القضاء أحد أعمدة شرعيتها ووحدتها، وظل الفقه الإسلامي، والفقه الحنبلي وبخاصة، معينًا تستمد منه الأحكام. غير أن اتساع الدولة، وتنوع المعاملات، وتعقد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ودخول التقنية في تفاصيل الحياة، فرض الانتقال من مرحلة تكفي فيها المعرفة الفقهية الواسعة للقاضي لمعالجة الوقائع، إلى مرحلة تحتاج فيها الدولة الحديثة إلى قواعد مكتوبة، ومراكز قانونية مستقرة، وإجراءات معلومة، يستطيع الفرد والأسرة والمستثمر أن يرتبوا سلوكهم والتزاماتهم على أساسها.


وهذا الانتقال لا يعني القطيعة مع الفقه، وإنما يعني تحويل ثرائه إلى قوة مؤسسية. فالاختلاف الفقهي ثراء في مجال العلم والاجتهاد، لكنه قد يصبح مصدرًا لتفاوت الحقوق إذا تركت الواقعة الواحدة لأقوال متعددة من غير مرجعية نظامية تضبط الاختيار بينها. والتقنين هنا ليس تضييقًا للشريعة، بل اختيار مؤسسي من داخل سعتها، ينقل الحكم الشرعي من اجتهاد فردي محتمل التفاوت إلى قاعدة عامة معلومة، مع إبقاء القضاء قادرًا على فهم الوقائع وتحقيق المناط وإنزال النص في موضعه الصحيح.

وفي فبراير 2021 أعلن سمو الأمير محمد بن سلمان تطوير منظومة التشريعات المتخصصة، من خلال مشروعات نظام الإثبات، ونظام الأحوال الشخصية، ونظام المعاملات المدنية، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية. ولم تكن الأهمية في أسماء الأنظمة وحدها، بل في الغايات التي أعلنها سموه: زيادة القدرة على التنبؤ بالأحكام، واستقرار المرجعية النظامية، ورفع كفاءة الأجهزة العدلية، وزيادة موثوقية الإجراءات، والحد من الفردية والتفاوت.

وهذه العبارات تكشف عمق الفكرة؛ فالعدل في هذا التصور ليس صلاحًا شخصيًا في القاضي وحده، على أهمية علمه وتقواه ونزاهته، بل صلاح في البنية التي يعمل داخلها أيضًا. وقد يكون القاضي عادلًا، لكن غموض النص يفتح باب التباين، وقد يكون الحكم صحيحًا، لكن بطء الإجراء يستهلك أثره، وقد يثبت الحق، لكن تعثر التنفيذ يحوله إلى ورقة لا تغير شيئًا في حياة صاحبه. ولذلك فإن منظومة العدل تبدأ بالتشريع، وتمر بالقضاء، ولا تكتمل إلا بالتنفيذ.

جاء نظام الإثبات ليضبط قلب الخصومة القضائية؛ إذ لا قيمة لحق يعجز صاحبه عن إثباته، ولا عدالة في دليل لا تعرف حجيته سلفًا. واستوعب النظام الأدلة الرقمية، وواكب تحول العلاقات الإنسانية والتجارية من الأوراق والمجالس إلى الرسائل والمنصات والوسائط الإلكترونية. ثم جاء نظام الأحوال الشخصية لينقل كثيرًا من قضايا الأسرة من مساحة الاجتهاد المتفاوت إلى أحكام أوضح تحفظ الحقوق، وتحد من التنصل من المسؤوليات، وتحمي المرأة والطفل والأسرة من أن يتحول غموض الإجراء إلى عبء اجتماعي ممتد.

أما نظام المعاملات المدنية فقد وضع إطارًا عامًا للعقود والالتزامات والتعويض والحقوق المالية؛ وهو نظام لا يخص التجار والمحامين وحدهم، بل يمس حياة كل إنسان يبيع أو يشتري أو يؤجر أو يتعاقد أو يتضرر. وقد عبر صدوره عن إدراك سياسي واقتصادي بالغ الأهمية: أن الاقتصاد لا ينمو بالمال وحده، بل بالثقة، وأن المستثمر لا يحتاج إلى الفرصة فقط، وإنما يحتاج قبلها إلى معرفة ما له وما عليه، وما الذي سيحدث إذا اختلف مع شريكه أو أخل أحد الطرفين بالتزامه.

ولم يقتصر التحول على النصوص؛ فقد أعيد بناء تجربة الوصول إلى العدالة نفسها، فأتاحت منصة «ناجز» رفع الدعاوى، وتبادل المذكرات، وحضور الجلسات، وتقديم الاعتراضات، وطلبات التنفيذ، والحصول على خدمات التوثيق إلكترونيًا. وبذلك لم تعد المسافة إلى المحكمة تقاس بطريق يقطعه المتقاضي، بل بإجراء يستطيع إنجازه من مكانه. وهذه ليست رفاهية تقنية؛ لأن كلفة الوصول إلى الحق جزء من العدالة، وكل وقت أو مال أو مشقة غير ضرورية يتحملها صاحب الحق تمثل نقصًا في تمامها.

وتتجاوز منظومة العدل محاكم القضاء العام إلى القضاء الإداري في ديوان المظالم، الذي يجسد معنى بالغ الدلالة: أن الدولة، مع ما تملكه من سلطة، تقبل أن يقف الفرد أمام قضائها خصمًا لجهة إدارية، وأن يلغى القرار الإداري أو يعوض المتضرر متى ثبت الخطأ. كما أن تطوير النيابة العامة وتعزيز استقلالها المؤسسي يضع التحقيق والاتهام في موضعهما الصحيح؛ فلا عدالة جنائية من دون توازن دقيق بين حماية المجتمع من الجريمة وحماية الفرد من اتهام لا تسنده الأدلة والإجراءات النظامية.

وفي هذا تتصل منظومة العدل بمنظومتي الأمن ومكافحة الفساد. فالأمن من دون عدل قد يتحول إلى قوة صامتة، والعدل من دون أمن يصبح قيمة عاجزة، ومكافحة الفساد من دون إجراءات عادلة قد تفقد معناها الأخلاقي. أما اجتماع القوة بالنظام والضمانة، فهو الذي يصنع دولة قادرة لا تتردد في إنفاذ القانون، ولا تحتاج في الوقت نفسه إلى تجاوز القانون كي تثبت قدرتها.

وللعدل في فكر سمو الأمير بعد اجتماعي لا يقل عن بعده القضائي؛ فالناس لا يعيشون استقرارهم بالخطاب الأخلاقي وحده، وإنما بثقتهم بأن العقود مصونة، والأسرة محمية، والملكية محترمة، والاعتداء موجب للمساءلة، وأن الاسم والمكانة والنفوذ لا تنشئ حقًا فوق الحق. وحين تتساوى المراكز أمام النظام، يتحول العدل من فضيلة فردية إلى ثقافة عامة، ويصبح احترام القانون جزءًا من السلوك الاجتماعي، لا مجرد خوف من العقوبة.

ومع ذلك، فإن اكتمال التحول لا يقف عند إصدار الأنظمة أو رقمنة الخدمات؛ بل يحتاج باستمرار إلى تأهيل القضاة والمحامين وأعضاء النيابة، ونشر المبادئ والأحكام القضائية، وتوحيد الاتجاهات، وتبسيط اللغة النظامية، وتعزيز المساعدة القانونية لمن لا يقدر عليها، وقياس جودة الأحكام لا سرعة صدورها وحدها. فالعدالة الناجزة ليست عدالة متعجلة، والتحول الرقمي لا يغني عن الضمانة الإنسانية، والتقنين لا يحقق غايته إذا بقي المجتمع غير قادر على فهم حقوقه.

إن أهم ما أحدثه سمو الأمير في هذا المجال هو بناء منظومة تمنع ضياع العدل، فالإيمان بالعدل راسخ في دين الدولة وتاريخها، أما التحدي الحديث فهو أن يصبح الحق معروفًا قبل الخصومة، ومحميًا أثناءها، وواصلًا إلى صاحبه بعدها.

وبهذا المعنى، لا تكون منظومة العدل مرفقًا داخل الدولة، بل تكون الصورة الأخلاقية للدولة كلها؛ لأن الدولة قد تعرف بقوتها، وتهاب بأمنها، وتقصد بازدهارها، لكنها لا تستقر في ضمائر مواطنيها، ولا يطمئن إليها القادمون، إلا حين يكون العدل فيها أقوى من الأشخاص، والنظام أبقى من المصالح، والحق أقرب إلى صاحبه من كل يد تحاول أن تحول بينهما.