لا شيء يعلو في عالم السينما هذه الأيام، على صوت فيلم (الأوديسة) لمخرجه الشهير «كريستوفر نولان» فقد نال النصيب الأكبر من الآراء النقدية والانطباعات الشخصية. الاهتمام بالفيلم لم يكن منصبا على ملحمة الأوديسة ذاتها، ولكنه الفضول للتعرف على جديد نولان وما يحمله في جعبته من مفاجآت سينمائية. فلا أحد ينكر مهارات نولان الإخراجية وقدرته الفائقة على الإبهار البصري من خلال التقنيات المتقدمة التي دائما ما تظهر في أفلامه.

البناء السردي لملحمة هوميروس (الأدويسة) في أحداث الفيلم كان ثانويا، فقد استخدم نولان الأدويسة إطارا خارجيا أو مرجعية للأفكار التي رغب في تقديمها بالفيلم. إذا أردنا الغوص أعمق في أحداث الفيلم،يمكن قراءته قراءة غنوصية. البنية العامة وبعض الرموز والثيمات التي ركز عليها نولان تحتمل وجود بنية غنوصية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن لنولان محاولات سابقة في توظيف الموروث الغنوصي في أفلامه، ولعل أهمها فيلمه السابق (Inception) بطولة ليوناردو دي كابريو.

في المعتقد الغنوصي، يجد الإنسان نفسه مقذوفا في عالم لا يعرف حقيقته، ويعيش حالة اغتراب عن موطنه الأصلي، وهذا مشابه لوضع أوديسيوس الذي يرغب في العوده لموطنه (إيثاكا) ولكنه نسي كيف يعود إليه أو وجود ما يعيقه عن العودة. ويحاول بوساطة المعرفة والتذكر أن يستعيد صورة موطنه الأصلي. والعودة إليه لن تكون بواسطة القوة والسيف. فرحلة أوديسيوس يمكن تحويلها بسهولة إلى رحلة خلاص ومعرفة. الغنوصية تتمحور حول (Gnosis) أي المعرفة الخلاصية، وهذا يجعل أوديسيوس أقرب إلى صورة العارف (Gnostic)، منه إلى صورة المحارب التقليدي. لمسنا هذه الصورة في ملبسه الذي يشبه ملبس المتنسكين الزهاد والمتصوفة.


في بعض التصورات الغنوصية هناك قوى تحكم العالم المادي (Archons)، تمنع الروح من العودة لأصلها الإلهي، ويمكن ملاحظة ذلك في شخصية بوسيدون الذي يمنع أوديسيوس من العودة لموطنه الأصلي. فكلما اقترب أوديسيوس من إيثاكا تحدث كارثة تمنع عودته. ولا ننسى الجزء الخاص بنبات اللوتس، فعندما يصل أوديسيوس ورجاله إلى أرض آكلي نبات اللوتس،ويتذوق رجال أوديسيوس هذا النبات يقعون فورا تحت تأثيره المخدر، إذ ينسيهم اللوتس آلامهم وزوجاتهم وبيوتهم والهدف الأساسي من رحلتهم (العودة إلى إيثاكا) موطنهم الأصلي. هنا نجد تقاطعا مع الفكر الغنوصي، حيث يجسد نبات اللوتس حالة النوم أو النسيان والسكر المادي، إذ يستدرج الإنسان بالشهوات الزائلة، وينسى أصله الإلهي وموطنه الأصلي.

الفيلم، ليس مجرد رحلة عودة جغرافية إلى إيثاكا، إنما رحلة اغتراب ومعرفة ومحاولة للخلاص والتحرر الروحي واستعادة الأصل. وهذه الفكرة موجودة في تيارات دينية وفلسفية كثيرة كالغنوصية والأفلاطونية وأدب الاغتراب الحديث. نجح كريستوفر نولان بتصويره معتقدات يونانية قديمة في عمل سينمائي ضخم، ولا أعتقد أن حضور التراث الغنوصي كان اعتباطيا أو غير مقصود، فكثير من الأساطير اليونانية ظلت مؤثرة وحاضرة في الثقافة الأوروبية الحديثة.