يجمع العلماء ومؤرخو العلم، على أن «إسحق نيوتن» و«ألبرت أينشتاين» هما أعظم عالمين في كل العصور. فقد كان لكل منهما تأثير حاسم في فهم الإنسان لعالمه، وفق منهج علمي لا يقبل الجدل. تكمن أهمية كل منهما في علم الفيزياء الذي يعتبر علم الطبيعة الأول. كانت الفيزياء بما تحتويه من أجسام ثابتة أو متحركة وحركتها، الشغل الشاغل للفيزيائيين. مشهورة هي تفاحة نيوتن، وإن كانت إلى الأسطورة أقرب.

كان مجرد سقوط جسم (تفاحة هذه المرة) أمام مرأى من نيوتن في الريف الإنجليزي، كفيلا بأن يكون فتحا جديدا في تاريخ العلم.

ربما تكون الجاذبية كمفهوم وقوانين الحركة التي تنظمها، أهم اكتشافات نيوتن. ويكفي أن مفهوم الجاذبية ذاته، اقترن بنيوتن أكثر من أي عالم آخر، إلى أن جاء أينشتاين وأعاد تعريفه من جديد، في ضوء ما استجد من اكتشافات علمية. وعلى أي حال فإسهامات نيوتن في مجال العلم، تشمل تأسيسه لـ«التفاضل والتكامل» وهو شرف ينازعه عليه الرياضي والفيلسوف الألماني «لاينتز»، وتحليله للضوء ونظرية «ذات الحدين» في الرياضيات. قبل نيوتن كان العلم يدور في فلك الفلسفة، وهي ترويسة كتابه الأشهر في الفيزياء «البرنسبال» أو المبادئ. أما بعد نيوتن فقد أصبح العلم (الفيزياء) مجالا معرفيا مستقلا بذاته.


ولأن العلم لا يقف عند أحد ولا يتوقف عن التطور، وفي ضوء الاكتشافات المتجددة في علم الفلك والأجرام السماوية، واجهت فيزياء نيوتن في الجاذبية تحديات مهدت الطريق لثورة علمية معرفية في علم الفلك. هنا يأتي أينشتاين بـ«النسبية» كمفهوم يبني عليه نظرية تكون الكون كله، وهي نظرية في مفهومها وسعتها وثوريتها وتأثيرها في تصور البشر لعالمهم وموقعهم فيه، واسعة باتساع الكون.

النسبية ببساطة مفهوم فيزيائي يقول إن الزمن يتغير بتغير الحركة فكلما تسارعت الحركة بطأ الزمن. فالزمن على الأرض هو غيره على المريخ، لاختلاف سرعة المريخ في دورانه حول الشمس عن الأرض، وقس على ذلك بقية الأجرام السماوية.

المثال الذي ضربه أينشتاين لنسبية الزمن عندما شبه ذلك بالأخوين التوأم، أحدهما يبقى على الأرض، والآخر ينطلق في مركبة فضائية بسرعة تقارب سرعة الضوء، وعندما يعود إلى الأرض لا يكون قد قطع من عمره سوى بضع دقائق، في حين أن أخاه قد هرم. قد يبدو هذا المثال صعب التصديق، لكنها الحقيقة العلمية.

المقارنة بين نيوتن وأينشتاين في منهج كل منهما جديرة بالتوقف عندها مليا. فيزياء نيوتن قائمة على التجربة العلمية المثبتة بالبرهان، في حين أن فيزياء أينشتاين قائمة أولا على التساؤل، ثم وضع الفرضية، ثم استدلال النتيجة، دون تجارب علمية مثبتة في المختبر. والسبب بسيط، وهو أن فيزياء أينشتاين مجالها الأجسام في سرعات استثنائية، يصعب تجربتها على الأرض.

وتبقى الرياضيات القاسم المشترك بينهما في إثبات صحة استنتاجاتهما. وكما هو معلوم بالضرورة فعالمنا الأرضي في كل تفاصيله، من حركة الناس والسيارات والطائرات، وكل ما هو متحرك على سطح الأرض، خاضع لفيزياء نيوتن. فيما تفسر نسبية أينشتاين بمفهوم «الزمكان»، والذي يعني ضرورة ربط أي زمن في الكون، بحركة أجسامه، وتكون الأجرام السماوية والمجرات على مقياس كوني.

غير أن هناك عالما ثالثا لا يقل تأثيره في الفيزياء عن تأثيرهما. «جيمس كلارك ماكسويل» عالم فيزياء أسكتلندي، يعود الفضل إليه في اكتشاف الكهرومغناطيسية، تلك القوة التي توحد بين اثنتين من قوى الطبيعة «الكهرباء» و«المغناطيسية».

في أدق تفاصيل الحياة المعاصرة لا غنى لنا عن تطبيقاته، دون إسهامات ماكسويل في الفيزياء، وفي الكهرومغناطيسية تحديدا، لم يكن من الممكن - مثلا - قراءة هذا المقال على هواتفنا.

وبطبيعة الحال لم يكن وصول كل من هؤلاء العمالقة لما وصلوا إليه ممكنا، لو لم يكن شغف المعرفة - المجردة - بالشيء، والإصرار والمثابرة على بلوغ أهدافهم، ولكان من الصعب تصور هذه الإنجازات غير المسبوقة في تاريخ البشرية.

العلم بحر و«فوق كل ذي علم عليم»، فهناك دوما أسئلة تثار حول كل جديد في العلم، وهو ما يترك المجال مفتوحا على مصراعيه لاكتشافات جديدة، وظهور نوابغ جدد، ليس في الفيزياء فقط، ولكن في بقية مجالات العلوم. الاقتداء بالعلم والعلماء فضيلة، كم نحن بأمس الحاجة إليها مع بداية العام الدراسي الجديد.