الفصل الأكثر خطورة في هذا التصعيد، هو محاولة «استهداف مكة المكرمة».
العاصمة المقدسة ليست مدينة كبقية المدن، ولا يمكن إدخالها في الحسابات التقليدية للصراعات السياسية والعسكرية؛ فهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، فيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وترتبط بوجدان أكثر من مليار مسلم في أنحاء العالم.
من هنا فإن أي تهديد يطال أمنها لا يقف أثره عند حدود المملكة، بل يمس مشاعر المسلمين وحقهم في أن تبقى مقدساتهم بمنأى عن الصراعات وأدواتها.
أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة حاولت دخول المجال الجوي لمكة المكرمة، مساء 15 سبتمبر 2026، في تطور يعيد إلى الذاكرة سوابق خطيرة شهدتها المنطقة، ويؤكد أن تهديد المقدسات لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل في مشهد عسكري متوتر. لذلك لم يكن مستغربًا أن تتجاوز ردود الفعل حدود التضامن السياسي التقليدي. فقد أدانت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي الاعتداءات الحوثية على مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة، في موقف يؤكد أن أمن الأماكن المقدسة لا يتعلق بدولة بعينها، بقدر ما يمثل مسؤولية واهتمامًا للعالم الإسلامي بأسره.
الجماعة الإرهابية تخطئ إن تصورت أن الاعتداء على المملكة - خاصة - ما يهدد المناطق المقدسة، يمكن أن يُقرأ بوصفه جزءًا من صراع سياسي قابل للتأويل. فالسعودية تحتضن الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، وأي تهديد لأمن هذه البقاع يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة ليصبح مسألة ترتبط بحرمة المقدسات وأمن قاصديها، ومشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
كما لا يمكن عزل هذه الاعتداءات عن سياق أوسع من التهديدات التي تعرضت لها المملكة، خلال الفترة الماضية، واستهدفت مدنيين ومنشآت مدنية واقتصادية ومناطق مختلفة. وهو تصعيد يطرح تساؤلات جدية حول الغاية من توسيع نطاق المواجهة، وتحويل مناطق آمنة ومقدسات دينية ومنشآت حيوية إلى أهداف للصراع.
ليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها مكة المكرمة في دائرة التهديد الحوثي؛ ففي 27 أكتوبر 2016 أُطلق صاروخ باليستي باتجاه مكة المكرمة، واعترضته قوات الدفاع الجوي السعودي قبل وصوله إلى هدفه. وأثارت تلك الحادثة حينها موجة واسعة من الإدانات، وعقدت منظمة التعاون الإسلامي اجتماعًا طارئًا لمجلس وزراء الخارجية في مكة المكرمة في نوفمبر من العام نفسه، مؤكدة أن استهداف مكة يمثل اعتداءً بالغ الخطورة على مشاعر المسلمين وحرمة مقدساتهم. وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي يدفع جماعة مسلحة إلى إدخال أقدس بقاع الإسلام في دائرة الصراع العسكري؟
الإجابة لا تنفصل عن طبيعة الجماعات العقائدية التي تتجاوز في حساباتها مفهوم الدولة الوطنية ومصالح شعوبها، وتربط تحركاتها بمشروعات وصراعات إقليمية أوسع. فاليمن الذي أنهكته سنوات الحرب يحتاج إلى السلام وإعادة البناء واستعادة مؤسسات الدولة، لا إلى فتح جبهات جديدة يدفع المواطن اليمني قبل غيره ثمن استمرارها. ومع ذلك، لا تزال الجماعة تحاول تقديم نفسها باعتبارها حركة مقاومة تدافع عن مصالح اليمن وسيادته، بينما تكشف الوقائع عن واقع مختلف؛ فمن يحمل هموم وطنه لا يدفع مؤسساته إلى الانهيار، ولا يزج بملايين المواطنين في دوامة ممتدة من الحرب والفقر والمعاناة، ولا يجعل بلاده ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
يمتد الأمر إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبر من خلاله حركة مهمة من التجارة الدولية والطاقة. من هنا فتهديد الملاحة فيه لا يمثل مشكلة إقليمية محدودة، إنما يمس مصالح دول عديدة واستقرار الاقتصاد والتجارة الدوليين.
وفي هذا السياق يمكن قراءة التحركات الحوثية باعتبارها جزءًا من شبكة أوسع من المصالح والصراعات الإقليمية التي تستفيد من إبقاء المنطقة في حالة توتر، واستخدام الممرات البحرية والمنشآت المدنية، وأمن الدول أدواتٍ للضغط السياسي والعسكري. وهذا تحديدًا ما يجعل خطرها يتجاوز الحدود اليمنية إلى الأمن الإقليمي والدولي.
في المقابل، أكدت المملكة في مواجهة هذه التهديدات قدرتها على حماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، والدفاع عن مقدسات المسلمين، إلى جانب مسؤوليتها في الإسهام في حماية أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية. وهي مسؤولية لا ترتبط فقط بما تمتلكه المملكة من قدرات وإمكانات، وإنما بمكانتها بوصفها موطن الحرمين الشريفين، وركيزة أساسية في أمن المنطقة واستقرارها. ولهذا فمحاولة استهداف مكة المكرمة ستظل نقطة شديدة الخطورة في سجل هذه الجماعة؛ لأنها تحمل دلالات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فعندما تصبح أقدس بقعة لدى المسلمين في دائرة السلاح، لا تعود القضية مجرد مواجهة سياسية أو نزاع إقليمي، بل تتحول إلى مسألة تمس وجدان العالم الإسلامي، وتفرض موقفًا يتجاوز الاختلافات السياسية والمصالح الآنية.
وربما تكون إحدى النتائج التي أفرزها التصعيد الأخير أنه أعاد كشف المأزق الذي يضع الحوثيون أنفسهم واليمن فيه. فبدلًا من الانخراط الجاد في مسار سياسي ينهي معاناة اليمنيين ويعيد لبلادهم الأمن والاستقرار. يؤدي استمرار التصعيد وتوسيع دائرة الاستهداف إلى زيادة عزلة الجماعة، وربط مستقبلها بصراعات إقليمية لا يحتاجها اليمن ولا تخدم شعبه. كما أن ردود الفعل الإقليمية والإسلامية على هذه الاعتداءات تؤكد حقيقة مهمة، وهي أن أمن المملكة، وأمن الحرمين الشريفين، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وسلامة الملاحة الدولية، ليست ملفات منفصلة، إنما حلقات مترابطة في منظومة أمن إقليمية ودولية واحدة؛ وكل تهديد لإحداها ينعكس بالضرورة على بقية هذه المنظومة.
قد تختلف السياسة، وتتعارض المصالح، وتتغير موازين القوى، لكن ثمة حدودًا ينبغي ألا تدخل حسابات الصراع، وفي مقدمتها حرمة الحرمين الشريفين وأمن قاصديهما.
مكة المكرمة ليست ساحة للصراع ولا ورقة في معادلاته، وإنما قبلة أمة ومقدس تتجاوز حرمته حدود الجغرافيا والسياسة. ومن يضع مكة في مرمى السلاح لا يوسع دائرة الصراع فحسب، بل يضع مشروعه في مواجهة وجدان أمة بأكملها.