لا تحتاج إلى كاهن أو متنبئ لتدرك أن التاريخ سيعيد نفسه. فالخيانات، وتبدل الولاءات، والانقلابات على المواقف، أصبحت للأسف من أكثر الثوابت وضوحًا في هذه الحرب اليمنية. حتى إن بعض اليمنيين يغيرون ولاءاتهم أسرع مما يغيرون ملابسهم!
ولنكن واقعيين: الهجوم الحوثي على الساحل لم يكن مفاجئًا ولا مباغتًا. التقارير المنشورة كانت تتحدث منذ أشهر عن التحضيرات والتحركات، فما بالك بالمعلومات التي يفترض أن تكون متاحة للجهات الحكومية والعسكرية والأمنية؟
وعندما بدأ الحوثيون في التركيز على الساحل والمخا، كانت ملامح الخطة شبه واضحة. ولذلك لم تكن المفاجأة في الهجوم نفسه، وإنما في السؤال الذي كان ينتظر الإجابة: أي من فصائل الساحل سيخذل الجميع هذه المرة؟
الحوثيون لم يركزوا على الساحل لأن الإيرانيين طلبوا منهم ذلك فحسب، بل لأنهم وجدوا فيه خاصرة رخوة؛ خاصرة يمكن اختراقها عسكريًا، أو شراؤها سياسيًا، أو دفعها إلى الانسحاب في اللحظة المناسبة، هل تم شراؤها من الحوثيين أم من غيرهم؟!
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
هناك من لا يزال يعتقد أن الحل في اليمن يكمن في المزيد من التدريب، والمزيد من السلاح، والمزيد من الإعداد والعتاد. وهذا تصور قد يكون صحيحًا في حروب تقليدية، لكنه لا يكفي في الحالة اليمنية.
لقد قلنا ذلك وكتبنا عنه مرارًا: اليمن لا يحتاج إلى جيش أكبر بقدر ما يحتاج إلى استخبارات أفضل، وأمن أكثر كفاءة، وقدرة أعلى على قراءة الولاءات والتحولات والخيانات وإدارة الصراع بمرونة.
فما قيمة تدريب آلاف الجنود وتجهيزهم بأحدث المعدات إذا كنت لا تعرف في أي لحظة سيقاتلون، ومن سيقاتلون، ولمن ستكون ولاءاتهم غدًا؟
وما فائدة أن تبني قوة عسكرية كبيرة إذا كان جزء منها يمكن أن يغيّر موقفه مقابل بضعة آلاف من الدولارات؟
وهنا ينطبق ما يمكن تسميته «قانون جيلبرت» ببساطته ووضوحه:
(إذا توليت مهمة، فإن إيجاد أفضل طريقة لإنجازها مسؤوليتك أنت).
لا تستطيع أن تجعل الخيانة عذرًا دائمًا، ولا الظروف شماعة أبدية، ولا أن تلقي مسؤولية الفشل على طبيعة الصراع. هذه حرب مستمرة منذ أكثر من عقد. وإذا لم تتعلم من الأخطاء التي تكررت طوال هذه السنوات، فالمشكلة ليست في صعوبة الحرب، بل في طريقة إدارتها.
ومنذ سنوات، كتبنا أكثر من مرة أن الملف اليمني لا يحتاج إلى مدني مهايطي يكثر من التصريحات والاستعراض، ولا إلى عسكري تقليدي مهما كانت رتبته وخبرته. هذا الملف يحتاج إلى عقلية استخباراتية وأمنية قادرة على فهم البيئة اليمنية، وقراءة الأشخاص والقبائل والفصائل، واستشراف تبدل الولاءات، والتعامل مع التقلبات قبل حدوثها، لا بعد وقوعها.
فالسياسي الذي يعيش على الاستعراض قد يهتم بالصورة والمزايا، والعسكري التقليدي ــ إذا كان صالحًا ــ غالبًا ما تربى على قيم الشرف والانضباط والأمانة والثبات على الموقف. لكن هذه الحرب تحتاج إلى شيء آخر أيضًا: القدرة على التعامل مع واقع مليء بالثعابين، وفهم كيف تتحرك، ومتى تلدغ، ومتى تغير جلدها، تحتاج الرقص مع الثعابين!
والمشكلة أن بعض المسؤولين اليمنيين لا يزال يقول: نحن نعرف الملف اليمني منذ سنوات، ونعرف تفاصيله جيدًا.
حسنًا، وما فائدة هذه المعرفة إذا كانت النتيجة تتكرر؟
المعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على التنبؤ، ثم إلى قرار، ثم إلى نتيجة، ليست ميزة إستراتيجية، إنها مجرد أرشيف من المعلومات.
والأكثر إثارة أننا من خارج معمعة الملف اليمني نستطيع أحيانًا توقع السيناريو قبل وقوعه، بينما من يملك كل المعلومات والأجهزة والموارد لا يستطيع منع السيناريو نفسه من التكرار.
وهنا يجب أن نقول شيئًا بوضوح:
الحوثيون ليسوا جماعة خارقة، ولا قوة عسكرية منظمة، بل يمكن هزيمتها بسهولة إذا توفرت العقليات والإرادة!
جزء كبير من نجاحهم هو نتيجة سوء أداء الطرف الآخر اليمني، وضعف إدارة الصراع، وعدم فهم طبيعة البيئة التي يعملون فيها.
وأكتب هذا المقال بعد يوم واحد من سقوط الساحل، وربما عندما يصل المقال إلى القارئ يكون المشهد قد تغير ميدانيًا وتم دحرهم، وربما تكون القوات قد استعادت بعض المواقع. لكن القضية أكبر من موقع سقط أو جبهة استعادت أرضًا.
لأن الحوثي، ببساطة، لن يتوقف عند الساحل. إذا تمكن من تثبيت نفوذه على باب المندب، ووصلت إليه الإمدادات بصورة أكثر سهولة، فستزداد أطماعه، وستتسع قدرته على الابتزاز، وسيسعى إلى توسيع نطاق نفوذه أكثر.
ولهذا فإن التعامل معه يجب ألا يكون بمنطق انتظار الهجوم التالي، ثم محاولة احتوائه. يجب أن تكون هناك إستراتيجية واضحة لدحره، لا مجرد إستراتيجية لإدارة تقدمه.
هذه جماعة أثبتت مرارًا أنها تستخدم الهدن والاتفاقات والاستراحات لإعادة ترتيب صفوفها والاستعداد لجولة جديدة. ولذلك فإن أي هدنة أو تسوية لا تُبنى على تغيير حقيقي في ميزان القوة قد تتحول ببساطة إلى فرصة مجانية لإعادة التسلح والاستعداد لهجوم أكبر.
أما المجتمع الدولي، فلا ينبغي التعويل عليه.
المجتمع الدولي لديه مصالحه وحساباته وأولوياته، وربما حتى مصالحه في إدامة الصراع وسيغير مواقفه وفقًا لها. لذلك، هناك ملفات لا يمكن أن تنتظر حتى يتفق العالم على ما يجب فعله.
بعض المعارك يجب أن تحسمها بيدك.
وفي اليمن، قبل أن نبحث عن أعذار جديدة، علينا أن نسأل السؤال الأصعب:
لماذا ما زالت الحكومة اليمنية تقع في الخديعة نفسها، بعد أكثر من عقد من الحرب؟
إذا كنت تعرف أن هناك خيانة محتملة، فاستعد لها إذا كنت تعرف أن الولاءات قابلة للبيع، فأدرها، إذا كنت تعرف أن الهجوم قادم، فأحبطه، وإذا كنت قد تعلمت من أكثر من 12 سنة من الحرب، فأثبت ذلك بالنتائج.
تحتاج إدارة حرب وليس إدارة للأعذار.