عندما يتغير موقع مجتمع في التاريخ أسرع مما تتغير صورته في أذهان الآخرين، تنشأ فجوة بين الواقع والاعتراف به، وفي هذه الفجوة يولد كثير من التوتر؛ إذ يصر بعض الناس على مخاطبة البلد الجديد بالصورة القديمة التي اطمأنوا إليها، لا بالحقيقة التي صار إليها، ومن هنا يبدأ السؤال عن كراهية بعض العرب للسعودية، وعن صمت بعضهم الآخر على هذا الكره.

ليست المسألة أن السعودية تنتظر اعترافًا من أحد؛ فالدول الراسخة لا تستمد منزلتها من رضا الآخرين، لكنها مسألة تتصل بالهوية الوطنية السعودية وبحقها في تعريف ذاتها، بعد زمن طويل شارك غير السعوديين في رسم صورتها وتفسير تاريخها وتحديد موقعها العربي، وما نشهده اليوم ليس مجرد خلاف في المواقف، بل مقاومة لتحول كبير في ترتيب المكانة داخل المجال العربي.

السعودية تملك ما يغنيها عن استكمال ذاتها في عيون غيرها؛ فهي وريثة مسار سياسي يمتد عبر 300 عام، ووحدتها الحديثة صنعت بإرادة داخلية، لا بمنحة من قوة خارجية، وفي أرضها اجتمع عمق الجزيرة العربية بمركز الإسلام، ثم أضيف إليهما بناء دولة ذات ثقل عالمي، ولهذا فإن صورتها في وعيها أرسخ من أن تهزها موجة إساءة، لكن رسوخها هذا لا يعفيها من تفكيك الخطاب الذي يستهدفها. فقد احتكرت مدن عربية معروفة، خلال جانب كبير من القرن العشرين، إنتاج الصحافة والأدب والفكر السياسي، فأصبحت تصوغ صورة العرب عن أنفسهم، وتمنح الألقاب الثقافية، وتحدد ما يعد مركزًا وما يُدفع به إلى الأطراف، أما الجزيرة العربية «السعودية»، على عمقها التاريخي وكونها موطن العروبة ومهبط الرسالة، فقد ردها ذلك الخطاب إلى صور النفط والصحراء والخيمة والقبيلة، وأغفل ما وراءها من تاريخ وتكوين اجتماعي وسياسي. ثم تحرك التاريخ في اتجاه لم تتوقعه النخب القديمة، فصعدت السعودية اقتصاديًا وسياسيًا، ثم أخذت تبني حضورًا معرفيًا وثقافيًا وتقنيًا متناميًا، وهنا وقع الاضطراب: أصبحت الرياض مركزًا للقرار والسياسة والاقتصاد والثقافة والمستقبل، مما نسف من الجذور ترتيبًا رمزيًا عاش طويلًا في الأذهان بعد أن انتهت أسبابه في الواقع.


ولا يكفي تفسير هذا الشعور بالحسد؛ فالحسد عارض فردي، بينما نحن أمام ظاهرة لها أصول سياسية وثقافية، والأصح أنها «مقاومة فقدان المكانة»، فالطرف الذي اعتاد النظر إلى نفسه بوصفه المعلم، يصعب عليه أن يرى من وضعه في منزلة التلميذ شريكًا متقدمًا، فضلًا عن أن يتعلم منه، لذلك ظل بعض الخطاب العربي يفسر كل إنجاز سعودي بأنه ثمرة المال وحده؛ لأن الاعتراف بالتخطيط والكفاءة والقدرة على التحول يهدم القصة التي حفظ بها تفوقه المتوهم.

وقد غذت الأنظمة العسكرية هذه النظرة؛ لأنها أقامت شرعيتها على الزعامة لا على كفاءة الدولة، فكان لا بد لها من مسرح دائم للصراع، ومن خصوم ترد إليهم أسباب العجز، والسعودية قدمت نقيضًا مزعجًا لذلك النموذج: دولة تتراكم قوتها من الاستقرار، وتستخدم مواردها في البناء، وتتعامل مع العالم وفق مصالحها من غير أن تفقد هويتها، وهكذا أصبح نجاحها حجة على فشلهم، من غير أن تدخل معهم في جدال.

وفي مختلف العقود الماضية فإن الوقائع تكشف نمطًا واحدًا ظهر في صور شتى: بالابتلاع المباشر حينما أنكر صدام حق الكويت في الوجود وهدد من خلفها وجود السعودية وجاراتها، وبالتطويق الأيديولوجي حينما نقل صراع الثورة العسكرية إلى اليمن والجزيرة العربية، وبمحو الإرادة المحلية حين تعاملت إيران حديثًا مع دول الخليج بوصفها مواقع نفوذ أجنبي لا دولًا مستقلة، فتختلف العقائد والذرائع، لكن يجمعها رفض الإرادة السعودية والخليجية ومحاولة إدخال المنطقة في مشروع يصاغ خارجها.

انتهت بعض تلك الأنظمة أو ضعفت، لكن قاموسها بقي حيًا، حيث انتقل من الصحف الحزبية والإذاعات الموجهة إلى الحسابات الشخصية، وصار يستدعى عند كل أزمة: فأضحى النفط تهمة، والاستقرار خنوعًا، والعلاقة مع العالم عمالة، أما التخريب والتدمير فيكفي أن يرفع شعارًا كبيرًا ليغدو بطولة، ولهذا فالمحتوى الذي نراه اليوم جديدًا في وسيلته، قديمًا في بنيته ومصادره. أما الصمت فظاهرة أخرى، إذ إن الكاره يعلن موقفه، لكن الصامت يدير حسابًا معقدًا للمصلحة، يعرف الحقيقة حق المعرفة، غير أن الدفاع عنها يهدد مكانته داخل بيئة جعلت الإساءة إلى السعودية برهانًا على الاستقلال، وإنصافها تزلفًا، وقد يعمل في مؤسسة خليجية، أو ينتفع من منحة ومنبر وفرصة، ثم يحرص أمام جمهوره على مسافة مصطنعة تثبت أنه لم يتأثر بمن أحسن إليه، هنا لا يكون الصمت حيادًا، بل وسيلة للجمع بين المنفعة والمكانة.

وثمة سبب أعمق يتصل بما يمكن تسميته «اعتياد الفضل»، فالعطاء إذا طال أمده، وغاب التذكير به، تحول في وعي بعض المتلقين من فضل إلى استحقاق، حيث لم تعد المساندة السعودية عندهم موقفًا يحفظ، بل وظيفة طبيعية لا تستدعي امتنانًا؛ فإن توقفت أو تغيرت شروطها، ظهر الغضب كأن حقًا مسلوبًا قد ضاع، وهكذا تنسى سنوات الوقوف، وتضخم لحظة الاختلاف.

ولا تعفى بعض مؤسساتنا الثقافية والإعلامية من المسؤولية، فقد فتحت أبوابها للمثقف العربي، وهذا محمود في أصله، لكنها قدمته أحيانًا بوصفه مانح الشرعية لا شريكًا فيها، وجعلت المثقف السعودي ضيفًا في مؤسسته، فترسخت مفارقة غريبة: تمول السعودية المنبر، ثم يمنح المنبر غير السعودي موقع المرجع في تفسير تاريخها وثقافتها، بينما يبقى المثقف السعودي على هامش المنبر الذي تموّله بلاده، والانفتاح لا يقتضي هذا التنازل؛ فالشراكة العربية توسع المجال، لكنها لا تلغي حق أصحاب البلد في إنتاج معرفته ورواية تاريخه.

ومع ذلك كله، لا تقف السعودية موقف المحتاج إلى دفاع الآخرين، فقوتها المعنوية أسبق من مقالات المادحين والشانئين؛ تستمدها من تاريخها، ومن اجتماع العروبة والإسلام والدولة في تكوينها، ومن ثقلها السياسي والاقتصادي، ومن سجل طويل في حمل الأعباء العربية، وهي حينما تكترث بالكره والصمت لا تفعل ذلك طلبًا لمحبة أو بحثًا عن منزلة، بل لأن عروبتها تجعل الخلل العربي جزءًا من مسؤوليتها الأخلاقية.

ولم تكن أخوة السعودية للعرب يومًا من الأيام سذاجة ينبغي التخلص منها؛ وإنما كانت اختيارًا يصدر عن قدر عميق من المروءة والقدرة، ومن الخطأ أن نسمح لجحود بعضهم بأن يعيد تعريف فضائلنا، فالمطلوب ليس التخفف من أخلاقنا، بل امتلاك روايتنا، وتقوية مثقفينا وإعلاميينا، ووضع مواردنا الثقافية حيث تبني الوعي السعودي وتخدم العروبة من موقع الند القادر، لا من موقع من ينتظر الإجازة من أحد.

ولو حكمت السعودية علاقتها بالعرب بمنطق المنفعة المجردة، لكان في وسعها أن تعرض عن كثير من الضجيج؛ لكنها لا تفعل، لأنها ليست طارئة على العروبة، بل هي خارجة من صميمها وحاملة لثقلها. الكاره لا ينتقص من السعودية، والصامت لا يحجب حقيقتها؛ كلاهما يكشف أزمة في وعيه هو، أما السعودية فتعرف قدرها، ولذلك تظل عربية الأخلاق بقدر ما هي سعودية الإرادة.