تجمعني بالصديق الأخ محمد علاقة فرضتها الروابط الأسرية والعائلية، ثم كرستها الصحبة واللقاءات التي بدأت منذ الصبا بحكم الجيرة والزمالة ثم الصداقة العميقة والزمالة الدراسية مع أخيه عبدالله العقيل -يرحمه الله - وبالتالي العلاقة مع أسرته :- والده الشيخ عبدالرحمن الناصر العقيل، ثم أخوته إبراهيم وناصر وعبدالله واحمد وعبدالكريم وعبدالسلام وبقية العائلة .
بيني وبين محمد ثمة فارق بسيط في العمر، وتبعه فارق نوعي في الأفكار التي إكتسبها ابو أكرم - كما اظن - من خلال إستقلاله المبكر ودراسته في جامعة البترول بالظهران، ثم أتبعها بالدراسة في أمريكا وتحديداً في جامعة بيركلي التي كانت محضناً لكثير من الأفكار التحررية ومركزاً للنقاش والجدال بلا حدود .
عاد ابو أكرم من أمريكا وعدنا نلتقي منفردين او جماعياً مع أخوته وكثير من الأصدقاء، وصار يدهشني بحديثه الجريء وأفكاره المغايرة، يطلقها بصوت جهوري، ثم يتبع كلامه بضحكة مجلجلة وكأنه يختبر ردود فعل الحاضرين - ومنهم كثير من المحافظين - على كلامه المغاير لما هو نمطي من الأعراف والعادات التقليدية التي سادت وأصبحت يقيناً، لكن المهندس محمد يحرك هذا اليقين بكلام غير معهود.
مر زمن لنجد أن كثيراً منا قد تقبل بعض قناعات ابو أكرم، وهو بالمقابل تغير، ليرجع عن بعض أفكاره، بحيث تلاقينا في منطقة وسطى هي مزيج من الإنفتاح والتحرر من بعض غلبة العادات، مع الإبقاء على التمسك بالثوابت التي لاتُهز .
أعود للكتاب الذي بدأت أقرأ فيه مساءً، ثم وجدتني منغمساً في القراءة حتى وقت متأخر ،وكنت ماضياً في القراءة حتى النهاية، لكنني تعمدت التوقف حتى لاتنقضي المتعة، ولكي أبقي بعض التشوق لبقية التفاصيل التي تمثلت في تجربة تطور مكتبة جرير القرطاسية وتحولها للتجارة الإلكترونية، ثم جرير للإستثمار، وماشهده هذا التحول من نمو وتوسع في الفروع داخل الوطن وخارجه. ولم يكن ذلك ليتم بمحض الصدفة أو كان نتاجاً طبيعياً للطفرة التي عاشتها المملكة في الثمانينيات، بل تم كل ذلك وفق توافق عائلي بين الأخوة الخمسة. وهكذا بدأت منظومة جرير تتوسع، وتبع ذلك التفكير في تهيئة الجيل الثاني وربما الثالث من الأحفاد، لينخرطوا للعمل في القطاع المصرفي والتدقيق المحاسبي، ويتبع ذلك التدريب المكثف والدورات المتلاحقة، لتتمكن شركة جرير من الإستمرار، ونفي المقولة الشائعة : " ان الشركات العائلية تتفكك ثم تنقرض خلال الجيل الثالث وذلك عندما يبدأ الإنسحاب التدريجي بين أطراف الملاك رغبة في الإستقلال والعمل منفردين أو مع شركاء آخرين" .
كانت مسيرة جرير محفوفة بكثير من النجاح، لكنها مرت بحالات من الفشل التي تحولت إلى دروس ليست مجانية، لكنها دروس وتجارب مفيدة مقابل بعض الخسائر .
كان الأخوة الشركاء الخمسة " محمد وناصر وعبدالله وعبدالكريم وعبدالسلام" يختلفون في آرائهم ووجهات نظرهم، وكان هذا الإختلاف والتنوع يمثل ثراءً في الأفكار ، يتناقشون ويختلفون وترتفع أصواتهم، لكنهم في المحصلة النهائية يصلون متوافقين إلى قرار واحد، لإن مصلحة الشركة تتغلب على أنانية النفس والإستفراد بالرأي. لكن جرير التي شبت وكبرت، لم تعد تقتصر على العائلة ، صارت رهينة لكثير من المديرين والمسئولين وكثير من الموظفين في قطاعات جرير المختلفة وفروعها المتعددة، وهي المرحلة التي سماها ( عائلة الشركة) والتي صارت تسبق ( شركة العائلة ) .
وهكذا صار لجرير مع كثير من رجال الأعمال- أبناء الجيل الأول - دور الريادة في الصناعة المحلية وفي كثير من المناشط، ثم جاءت رؤية 2030 لتعزز الإستراتيجية القائمة، لكن مع تغيير الإيقاع وتسريعه وفتح مجالات الإبداع والإبتكارز ويختصر المهندس محمد العقيل كل محطات المسيرة التي قطعتها شركة جرير ليربطها في ثلاثية " الإستثماروالمسئولية والإجتهاد المستمر"، ثم يقول : لقد سعيت لأن أترك لأبنائنا وللجيل القادم مؤسسة تفكر وتعمل وتتطور، لا توزع أموالاً فقط، ولكن كياناً حياً بنظام ومرونة، مع إرادة لإستكمال الرحلة .
( حياتي اكثر من مجرد مكتبة) كتاب مليء بالخبر والعبر، وبالمكاشفة الصريحة، حيث تحدث عن مرضه بالسرطان ثم شفائه منه - بحمد الله - يصف ذلك قائلاً : " أنا لا اروي تجربتي كمن عبر الخطر ونجا، وإنما كمن ولد من جديد، ولمن يمر بمحنة هذا المرض، لاتخف فليس السرطان نهاية حتمية، لكنه ربما بداية اخرى، فالسرطان الذي أصابني لم يأخذني إلى الموت لكنه دلني على الحياة".
لكن ابو أكرم لاينسى معاناته مع إصابة اخيه ابراهيم بالسرطان، وكان وقع الخبر مفاجئاً وصادماً، عندما وجد إلى جوار أخيه ابراهيم قطعة قماش وسأله: ما هذي ؟ فأجابه ابراهيم بسرعة: هذا كفني! قالها ابراهيم مبتسماً وكأن الموت جار سيزوره قريباً .وهكذا هي المعاناة التي عاشها مع الأخ عبدالله الذي تبرعت له " سارة بنت محمد" بجزء من كبدها، وتحسنت حالته لفترة ثم انتكست، حتى لحق عبدالله بإبراهيم رحمهما الله .
في عام 2003 أدرجت جرير في سوق البورصة، بمعنى انها خرجت من محيط العائلة إلى فضاءات السوق، وهو الإدراج الذي يصفه المهندس محمد :" بمايشبه الوقوف امام مرآة كبيرة في شارع عام، تفتح فيه دفاترك القديمة والجديدة امام المارة ليروا كل شيء ، أرباحك ونفقاتك وأخفاقك ونجاحاتك وماضيك وملامح مستقبلك وأخطائك التي كنت تظن انها مرت ولن يراها أحد، لكننا لم نكن نخشى الضوء، كنا نعيش أصلاً في وضوح" .
* الكتاب جاذب للقراءة، وفيه مكتسبات غنية من تجارب إقتصادية وإستثمارية، واجهت بعض الفشل وحصدت كثيرا من النجاح والأرباح ، وانا لن آتي على سرد كل ماورد في الكتاب ،لإنه في المحصلة جدير بالإقتناء ومطالعته ، والإحتفاظ به كخريطة طريق للمبتدئين من الشباب في عالم المال والإستثمار ، وسأضع هنا بعض خلاصات لبعض ماورد من معلومات وأفكار لخصها المؤلف على النحو التالي :
* إتخذ العمل الإنساني للعقيل الخيرية قسطاً وافراً من التنويع والعمل الجماعي، لكن غالبية المبادرات كانت تنطلق من الاخ عبدلله - يرحمه الله - الذي كان الواجهة الأبرز في العمل الخيري .
* " كرسي محمد العقيل لدراسات الجزيرة العربية وآسيا"، بدأ من خلال اللقاء بالبروفيسور الماليزي" أنغسيتغ" ،وهو اللقاء الذي إستمر وتطور، ليصل إلى إنشاء كرسي لإنتاج وكتابة " تاريخ علاقة الجزيرة العربية بآسيا" وهي علاقة قائمة على التجارة والثقافة والعلوم الدينية والإنسانية، ثم أصبح -الكرسي - قادرا على انتاج المعرفة والدراسات العميقة .
* منحة " رودس" لدعم دراسة السعوديين في اكسفورد، وهي منحة دراسية رفيعة المستوى لأبناء المملكة، تتولى توفير الدراسة و مصاريف السفر والسكن والإعاشة كافة، في جامعة راسخة في الجودة وعراقة التأسيس، بل ان خمسة من خريجيها نالواجائزة نوبل في العلوم والإقتصاد .
* برنامج الذكاء الإصطناعي مع جامعة كاوست ، يقول ابو اكرم : " تعلمت من تجربة كاوست أن الإستثمار الحقيقي يقاس بالطاقات التي نحييها ، والعقول التي نضيؤها والمستقبل الذي نمهد له من شغف طالب إلى نهضة وطن" .
وهكذا تتعدد المبادرات الخيرية للمهندس محمد ولأخوته، ليلخص رؤيته في " أن العمل الخيري ليس حكراً على سقيا الماء وبناء المساجد وكفالة الأيتام، ولكن العطاء يكتمل بملامسة الجوهر وإعادة تشكيل الإنسان المحتاج، فالعطاء الذي لايثمر وعياً ولايبني عقلاً، سيبقى محصور الأثر" .
ختاماً كان من حسن حظي أن وجدت نسخة من الكتاب صدفة، فالصديق محمد لم يهدني نسخة من كتابه، لكن كتابه أهداني متعة ومعرفة وعلماً ،وكنت -بحسب العلاقة البعيدة والمديدة - أظن أنني أعرف كل شيء عن محمد العقيل! لكن كتابه رغم كل شئ عرفني على اخي محمد أكثر مما كنت أحسب، وأضاء لي جوانب خفية ماكنت لأبصرها لولا كتابه الجميل ( حياتي أكثر من مجرد مكتبه )، والعنوان متوافق مع هوية جرير المعلنة ( مكتبة جرير ليست مجرد مكتبة ) .
شكراً اخي محمد العقيل "أبا أكرم" على هذا العطاء المعرفي وهذه الخلاصة الرائعة للتجارب التعليمية والإجتماعية والإستثمارية والأعمال الخيرية الإنسانية، والكراسي العلمية النوعية والفريدة .