بدأت المجتمعات البشرية بتركيبات مجتمعية بسيطة، ومسؤوليات محددة واضحة لا تعقيد فيها ولا ضبابية تطمس معالم أدوار النساء والرجال والمهام المنوطة بكل منهما والتي من خلالها تستمر تلك المجتمعات وتنمو وتمتد، المسؤولية الأسرية العامة كانت هي الإطار الذي يرسم ملامح الأدوار الخاصة بكل من الرجال والنساء ويحددها، هذه الأدوار كانت لا تتعدى السعي وراء الرزق من خلال العمل الذي حمل الرجل على عاتقه مسؤوليته من أجل تأمين قوت يومه له ولزوجته وأبنائه ووالديه إن اضطرته الحياة لضمهم داخل دائرة مسؤولياته، وتربية الأبناء والمحافظة على كيان البيت الداخلي الذي اختصت به النساء، لتمضي الحياة بهذه الأدوار الاجتماعية البسيطة التي كانت أساس البناء الاجتماعي لكل المجتمعات الإنسانية.

بساطة الحياة السابقة بالخصوصية المجتمعية التي كانت تعيشها المجتمعات الصغيرة والتي كان انعدام التواصل التكنولوجي بينها يعزلها عن المجتمعات الأخرى، تواصل محدود جدا بينها وبين غيرها من المجتمعات إلا من باب التجارة التي لم تكن متاحة إلا لفئة قليلة من رجال المجتمع، حيث كان ذلك عاملا أساسيا في حصر المهام وتحديد الأدوار بين الرجل والمرأة بدقة جعلت المجتمعات خالية من المشكلات الاجتماعية لقرون من الزمن. ولكن مع هبوب رياح كل تطور يحمل معه حبوب لقاح تغير اجتماعي، تتغير المجتمعات، وتنبت أدوار اجتماعية جديدة لم يكن لها وجود من قبل، ومع الزمن وتحول النسيج الاجتماعي من بسيط الى معقد، ذابت الفواصل بين أدوار الرجال والنساء، واختصاصية مسؤولياتهم ووضوحها. إضافة إلى ذلك فإن انفتاح المجتمعات على بعضها من خلال توسع أبواب التجارة التي هي أحد منافذ التطور الاقتصادي، والاحتكاك بالمجتمعات الأخرى بغرض طلب العلم أو السياحة أو الهجرة مع العودة إلى المجتمع الأصلي كلما سنحت الفرصة، أيضا الاهتمام بالتعليم وخاصة تعليم المرأة ليكون لها حضور خارج دائرة المنزل، ثم ظهور الإعلام على سطح الحياة الاجتماعية بدءًا من الصحف والكتب التي لم تكن متاحة إلا لمن يقرأ ويكتب ومن بعدها أصبحت متاحة للجميع من خلال الإذاعات المسموعة التي وسعت دائرة الاتصال بالمجتمعات الأخرى حتى لمن لا يقرأ، ثم التلفزيون المرئي، ونهاية وليس انتهاء إلى ما وصلنا إليه من ثورة الاتصال والإعلام الرقمي، كل هذا عولم العالم وقلب مفهوم الحقوق والواجبات والأدوار الاجتماعية، ومن هنا بدأت المشكلات الاجتماعية التي تهدد سلامة تركيبة المجتمعات الاجتماعية، ونفسيات مكوناتها من نساء ورجال من مختلف الأعمار.

النساء هن أكثر من يقع عليهن الضرر خاصة في مجتمعاتنا العربية، فالمرأة أصبحت مطالبة بمشاركة الرجال بالإنفاق وتحمل أعباء الأسرة الاقتصادية، وبعد أن كان ذلك تكرما منها أصبح واجبا عليها تلام على التقصير فيه في كثير من المجتمعات، وفي المقابل بقي الرجل على ما هو عليه، دوره محصور في وظيفة أو عمل يتقاسم مع زوجته من خلاله مسؤولية الإنفاق. دون توسع في دائرة المسؤوليات التي أصبح من الواجب أن تكون مناصفة بينه وبين المرأة. فكما هي تشاركه مسؤولية الصرف أصبح واجبا عليه أن يشاركها مسؤولية بناء أساسات الأسرة السليمة من تربية ورعاية وترتيب تفاصيل البيت الداخلي وفرشه بأثاث فاخر، من مشاركة واحتواء وتحمل أعباء لن تستطيع المرأة أن تقوم بها وحدها في ظل متغيرات العصر، وحتى لو كان الاستعانة بعمالة من الخارج لسد فراغ انشغال الأم والأب، فهذه العمالة لن تكون مخرجات الاعتماد عليها خالية من مشاكل اجتماعية ستشكل عبئًا على المجتمع الأكبر مستقبلا عندما تكبر الأجيال، فهذه العمالة من بيئات وهويات ومعتقدات وثقافات مختلفة تماما عن مجتمعنا، وهذا كله سينعكس سلبا على أجيالنا القادمة.

فما الحل إذا..؟

الحل في الوعي بحتمية متغيرات الموازين التي أصبحت واقعا نعيشه، والتي جرفت بسيلها كثيرا من أنماط تفكير سابقة أصبحت تحتاج إلى تحديث يجعلها قادرة على التماسك أمام المفقودات التربوية الناتجة عن تغير الأدوار ومتحورات تبعياتها. أصبح حتما ولا بد من تحديث الحقوق والواجبات ليكون امتزاج الأدوار وعموميتها بين الجنسين أكثر من اختصاصها عامل بناء يحافظ على الكيان الأسري والتربوي ومن خلالها نحافظ على الكيان المجتمعي والتماسك والنماء الوطني. ولكن في ظل هذا الانصهار في الأدوار فالعموم له دائرته والاختصاص له دائرة أخرى، بمعنى أنه يجب ألا ننسى أن المرأة تبقى الحضن الحنون والمربي الأول والتفسير الحي لكل معاني الرقة والعطاء والاحتواء، وأن الرجل سيبقى إلى ما شاء الله هو القوة والسند، هو الظهر القوي الذي يشعرنا بعد الله بالأمان والقوة، لذلك فالتحديثات المجتمعية بكل ما يتعلق بها أمر واقع يجب أن نمتلك مهارة المرونة بالتعامل معه، مع المحافظة على أساسيات وأدوار ثابتة لا تتغير مهما تغير الزمن.