جرت العادة لدينا، إذا تقلد أحد المعارف أو الأصدقاء منصبًا في الدولة، أن أرسل تهنئة في بداية التعيين وأتمنى له التوفيق، وبعدها أحاول الابتعاد قليلا عنه وأقلل اتصالاتي به، حتى لا أتسبب بأي إحراج له وحتى لا يفهم اتصالي بشكل خاطئ.

وعادة ما يكون اتصالي به محدودا مثل تهاني العيدين أو إذا زرت المملكة.

لكن لاحظت ظاهرة تستدعي الانتباه، البعض في بداية تقلده للمنصب يرسل رسالة شكر وردًا دافئًا مفعمًا بالمشاعر، وبعد مرور سنة أو سنتين بالمنصب تصبح الرسالة أكثر رسمية وهذا شيء مفهوم، وبعد مرور سنوات أخرى ربما لا تجد حتى ردًا على رسالة التهنئة !.

إلى الآن الموضوع شبه عادي لدي، ومن باب أوجد لصديقك ألف عذر والرجل مشغول وأعباء المنصب ومسؤولياته، لكن عندما أزور الأصدقاء المشتركين أو أزور المملكة، وأسأل عن أحوال فلان وفلان، أجد أن الزملاء والأصدقاء يقولون، بل ربما يجمعون على أن فلانا تغير وما هو على خبرك !.

-أفا لماذا ؟، فيرددون: هو ما يرد عليك وأنت خارج البلد والمعمعة، ومعروف أن ما لك مصلحة، فما بالك نحن الذين قد تتقاطع دروبنا مع دروبه !.

إلى الآن ما زلت مقتنعا أن ما عمله بعض المسؤولين ليس خطأ مهنيا، فليس واجب المسؤول أن يسعد ويرضي أصدقاءه ومعارفه، لكن الأمور تبدأ تسوء إذا دخل مرحلة الفقاعة أو البرج العاجي، وهذا الذي يؤثر في أدائه وخدمته للبلد والمواطنين.

إذا جوقة التصفيق التي التفت حوله بعد المنصب بدأت تكون حوله فقاعة، فلا يستطيع رؤية الأمور على أرض الواقع، ولا يسمع إلا تصفيق الجوقة لكل أفعاله حتى لو كانت تسير مسارًا خاطئًا، وبعدها ندخل في مرحلة البرج العاجي وهي أخطر أيضًا، هي الانفصال عن الواقع والقيام بأمور يتوقع أنها جيدة أو تزيده هيبة، بينما هي على العكس، والأسوأ أنه لم يعد يستمع لرأي الشارع أو الرأي العام الذي هو في الأصل عين في منصبه من أجل خدمته !

وربما لم يعد يختلط أو يتواصل مع أصدقائه القدماء لأنهم معتادون عليه، وربما يكونون صريحين معه، وينقلون له الواقع دون رتوش أو تجميل، ولا يعرفون أن يتملقوا مثل الجوقة التي أتت حوله بعد المنصب.

لا أعلم لماذا الكثير من الأصدقاء يعتبرونني عنصرا محايدا في كثير من الأمور، ويعتبرون من تغير عليك وأنت البعيد في الغربة من باب أولى تغير علينا يا ربعه.

والسبب الآخر أنه ليس لي مصالح مع أي من الأطراف. ولا أسعى لتكوين علاقات مصالح فعلاقتي مع العديد من الجهات ليست على ما يرام بسبب النقد في المقالات، ودائمًا أقول في نفسي الساحة مليئة بالتملق والمدح، على الأقل بعض الأصوات تنتقد فهذا شيء صحي من باب التوازن، ومن تجربة أقدر أقول الأفضل في النقد عندما لا يكون لديك تضارب مصالح من أي نوع، والشيء الجوهري الأهم في النقد ألا يكون بدافع شخصي أو خلافات.

توجد معضلة في تفسير تغير بعض المسؤولين بعد المنصب، فهناك مقولة شهيرة (أن السلطة تفسد الأشخاص)، ولكن مقولة أخرى معروفة تقول (إن السلطة لا تفسد الأشخاص ولكن تظهرهم على حقيقتهم).

وصراحة أذهب مع تفسير المقولة الأولى وأقول، الكرسي له سحره وربما يؤثر في نفسية وتصرفات الشخص حتى لو كان معدنه طيبا. والإنسان ابن المجتمع والبيئة ويتأثر بمن حوله خصوصًا إذا كانت أصوات جوقة التملق عالية.

السؤال الآخر الذي يطرح كثيرا وهو معضلة أخرى بحد ذاتها: يا أخي ما دام هو اللي جابه لنفسه بكرة يعفى من المنصب ويسقط من أعلى على أرضية الواقع الصلبة، ولماذا يهمنا أمره إذا كان لا يريد أن يستمع للنصح ولسنا أولياء عليه ؟!.

وتبدو العبارة منطقية من باب لسنا مجبورين بالناس، لكن هذا يتعارض مع مبدئين، أولهما حق الصداقة من النصح وهذا إذا كان يهمك أمره، والآخر، بما أنه أصبح مسؤولا عامًا فالأفضل أن يهمك أداؤه الذي سينعكس على خدمة البلد والمواطن ككل.

صراحة سمعت من أكثر من شخص من المخضرمين، أن لديهم صديقا أو أصدقاء يستمعون لهم عندما يشكل عليهم أمر ما، ويعرفون أن هؤلاء الأصدقاء المقربين سيقولون الحقيقة دون رتوش وتجميل، وكما يقول أحدهم «إنهم يقومون بإعطاء جلسة مصارحة علاجية لفك أعراض إدمان السلطة والمنصب»، حتى على المستوى الشخصي لدي بضع أصدقاء قدماء أرجع إليهم عندما أريد الاستماع بكل صراحة ودون مجاملات لبعض الأمور، وأعرف أنهم تهمهم مصلحتي، رغم أنه قد يكون بعض كلامهم لا يعجب ما أشعر به.

وفيه ملاحظة يجب أن أعترف بها، رغم أني كنت وما زلت من المؤيدين لزرع الشباب في المناصب، لكن الملاحظ ومن باب المصداقية أن بعض المسؤولين القدامى والذين كنا ننتقد أداءهم ونختلف مع أفكارهم، فإنهم هم من احتفظوا بحبال الود مع أصدقائهم قبل وأثناء وبعد المنصب، وحتى أكثر نسبيا من بعض المسؤولين الشباب الجدد الذين شجعنا تعيينهم !

فيه عادة نستخدمها عندما يصعب أو يشكل علينا شيء من الحلول، فإذا واجهتك مشكلة ابحث عن مشكلة مشابهة أو مقاربة في الجسم البشري وكيف يحلها جسم الإنسان، لأن ميكانيكة جسم الإنسان لعلاج المشاكل هي معجزة ربانية، فالدم إذا بقي في مكان ما دون جريان وهو من أنقى وأطهر السوائل فإنه إذا لم يتحرك يفسد وربما يسبب تجلطا وتسمما في الدم.

إذن حركة الدم وتجديده عملية أساسية لصحة جسد الإنسان، وكذلك جسد الدول والحكومات. لذلك أتمنى تغيير المسؤولين كل فترة أو تدويرهم، أي شيء يبقى في مكان ما، مهما كان جيدا، مع الوقت يتحجر حتى لو كان بعز شبابه، وكذلك المناصب، (إذا طال المقام للبعض في المنصب فإنهم مع الوقت للأسف يخربون!).

فتجديد الدماء والتدوير كل عدة سنوات مهما كان الأداء جيدا، هو عمل جوهري لاستمرار الحيوية والتطور والتقدم في البلد.

وحتى المسؤولون الجيدون يمكن الاستفادة منهم في مناصب أخرى وفي مواقع مختلفة.

المسؤول الجيد سيجد له مكانا آخر سواء في الحكومة أو القطاع الخاص، ويمكن الاستفادة من مهاراته في مواقع مختلفة، لكن لتكن العادة هي التغيير والتجديد.

وربما إذا عرف المسؤول أن الموضوع مجرد وقت له في الكرسي، فإنه سيبذل قصارى جهده في المنصب خلال فترته حتى يترك إرثًا طيبًا، وأيضًا سيحافظ على علاقته بمن حوله، وأيضا تقل جدا ظاهرة عدم الاتصال بالواقع والبرج العاجي، ويكون أكثر انفتاحا وتقبلا للنقد والمشورة.