قيمة الفتوى الدينية قيمة عظيمة ومعروفة، ولعل الأهم من الكتابة عنها أن تكون الكتابة عن أهلية من تصدر لها، خاصة وأن هناك مشكلة مع الذي يرى نفسه أهلا لها، والحقيقة أنه يحتاج للمزيد من التأهيل الخاص، وبالذات عندما ينبري للمسائل المعاصرة..

زيادة على لزوم علم المتصدر للفتاوى والإجابات، بالقرآن الكريم، والسنة النبوية، وما فيهما من أحكام، وما يتعلق بهما من معان، فهناك تفاصيل أخرى مهمة للغاية، من جنس العلم بما هو «قطعي الثبوث وقطعي الدلالة»، و«ظني الثبوت وقطعي الدلالة»، و«قطعي الثبوت وظني الدلالة»، و«ظني الثبوت وظني الدلالة»، ولكل حالة حكمها الخاص بها، إضافة إلى ضرورة العلم باللغة العربية، والمواطن التي أجمع عليها العلماء، وثبوت الملَكة في العلم بأصول الفقه، ومقاصد الشرع..

من أهم المعارف اللازمة كذلك الصلة بالواقع، والوعي الدقيق بعوالمه كافة، وفهم العلاقات المتداخلة بين هذه العوالم، وإدراك التغييرات الشديدة والسريعة التي تحدث في الحياة، والفهم التام بأن «بيئة النص» تختلف عن «بيئة الاجتهاد»، فالواقع الذي عاشه صلوات الله وسلامه عليه، غير الواقع الذي عاشه الفقهاء المجتهدون، والعلوم العصرية المتوفرة اليوم، فيها ما يوجب التوقف عندها من كل من يريد إنزال حكم صحيح، على واقعة لا يوجد بخصوصها نص مباشر.

إنزال الأحكام أو النصوص على الواقع، مسألة دقيقة، وتحتاج إلى تدريب وتأهيل، مع التعرف عن كثب على جهود السابقين، وتحليل فتاواهم ومأثوراتهم، ومعرفة ما رجحه الفقهاء، والتفريق بين الراجح والمشهور في كل مذهب، وبين ما عليه العمل فعليا، والتفريق كذلك بين الأحكام التي تتغير بتغير العوامل، وبين تلك التي لا تتغير، وعدم ترك النظر في كتب الخلاف العالي، لأهمية ذلك، وعن هذا يقول الإمام ابن عبدالبر، في باب «من يستحق أن يسمى فقيها أو عالما حقيقة لا مجازا»، في الجزء الثاني من كتابه القيم «جامع بيان العلم وفضله»: عن سعيد بن بشير قال سمعت قتادة يقول: «من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه».

وقال هشام بن عبيد الله الرازي: «من لم يعرف اختلاف القراء فليس بقارئ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه».. وقال أبو أيوب السختياني: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء».

معلوم أن الزمن لا يتغير، وإنما الناس هم الذين يطرأ عليهم التغيير، في فهومهم وصفاتهم وعاداتهم وسلوكياتهم وورعهم وتقواهم، ومعلوم كذلك أن المكان لا يتغير، وإنما بيئة المكان هي التي يصيبها التغيير، سواء بالعوامل الجوية أو بغيرها من ظروف وأحوال، ومراعاة هذه الأمور لازمة لمن يهمه إبعاد الناس عن الفوضى والتخبط والشغب، وقد يستدعي ذلك الاستعانة بمتخصصين في العلوم الحياتية المختلفة، والحذر من الجمود الأعمى، كما قال الإمام القرافي في الجزء الأول من كتاب (الفروق): «ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك: لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح».