تحدثنا كثيرًا عن التغير.. وأنه غذاء المجتمعات من أجل نمو سليم يستمر بتنمية مستدامة، وأن التغير في مجتمع ما هو إلا نتيجة حتمية لتغير شامل طال مجتمعات العالم الكبير، وأن البشر هم أدوات هذا التغير وعجلاته التي يمكن لها أن تسرع به ليلحق بركب التطور الكلي الشامل، أو تبطئته لتضع المجتمع داخل دائرة مغلقة من عزلة فكرية وثقافية واقتصادية وسياسية ومجتمعية، تؤخره عن مشهد التميز بين المجتمعات.

ولو تحدثنا عن سرعة التغير داخل مضمار السباق المجتمعي العالمي، لوجدنا أن السعودية تنافس الدول الأخرى على صدارة الوصول للتغير الشامل الذي يحقق لها طموحات رؤية حُددت أهدافها من خلال عقل واع يفكر خارج الصندوق، وبطموح يعانق السحاب، مع نظرة عميقة لمتطلبات المرحلة التي نعيشها، وبعزم قوي يرافقه حزم على الوصول إلى خط نهاية أهداف 2030، لتبدأ بعدها اهداف جديدة منبثقة من الحلم الذي لا نهاية له.

لا يختلف اثنان على نجاحات المملكة العربية السعودية خصوصا خلال الفترة القصيرة الماضية، حيث حققت إنجازات لا تعد ولا تحصى في كل المجالات، سياسيًا اقتصاديًا، وتكنولوجيًا، وبرغم كل التحديات إلا أن بصمات السعودية تفرض نفسها بوضوح في كل تميز مذهل. وهذا دليل واضح على نجاح الخطط والجهود التي وضعت من أجل تحقيق رؤية سمو ولي العهد محمد بن سلمان التي تعتبر تحدينا الوطني على جدول السباق التنموي العالمي. ولكن كيف نحافظ على هذا التميز ونتفوق على أنفسنا وغيرنا فيه؟.

ليتم ذلك يجب أن نطوي مسافات البعد ونسد الفجوة بين التقدم على كل الأصعدة التي حددت أهدافها من قبل أصحاب القرار.. وبين التغير الاجتماعي في ثقافة المجتمع وفكره والذي غالبًا ما يحتاج لوقت أطول، وتدابير أكثر صعوبة لتحقيقه، لأنه بلا شك يحتاج منا الى وضعه نصب عيني الاهتمام، لإنه الضمان بعد الله لاستمرار نجاحاتنا المذهلة.

السعودية بمساحاتها الشاسعة باختلاف مناطقها وثقافاتها، تركيبتها السكانية تتكون من غالبية شبابية، إلا أن هناك نسبة لا يستهان بها من كبار السن ومتوسطي الأعمال، الذين بلا شك لهم تأثير فكري مباشر في أجيالنا الحالية وأطفالنا، أضف إلى ذلك فترة الصحوة السابقة وما زرعته من أفكار لن ننكر أن لها رواسب في فكر جيل واسع له تأثيره القوي، مع القدرة على التسلل إلى أعمق دهاليز عقول الأجيال الحالية رغم الجهود المبذولة لمسح آثار التنطع بوسطية واعتدال هما الأصل في الدين. كل هذا له تأثيره القوي في وجود فجوة واسعة بين تقدمنا سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، وبين تغيرنا الاجتماعي الذي يسير ببطء لا يناسب قفزاتنا العظيمة. من أجل ذلك يجب أن يكون الإسراع بعملية التحول والتغير الاجتماعي، بؤرة اهتمامنا في المرحلة الحالية، ليتم بسرعة أكثر تتناسب مع تقدمنا في المجالات الأخرى.

بلا شك أن تباين الثقافات والأعمار وأنماط التفكير في المجتمع السعودي، له تأثيره في سرعة التأثير الاجتماعي، وهذا يجعل من الأفضل تقسيم المجتمع إلى فئات عمرية وثقافية، مع خطط تغير تناسب كل فئة.

فمثلا، فئة الأطفال هي الأسهل.. فهم عجينة لينة يسهل تشكيلها بما فيه مصلحة المجتمع والوطن، من خلال التعليم والأسرة والبدائل الترفيهية المناسبة، ألعاب وبرامج العالم الرقمي التي بلا شك لها تأثيرها السلبي في سلامة البناء النفسي والاجتماعي والعقائدي والوطني لأطفالنا.

أما المراهقون والشباب، فهم فئة الخطر، إن لم يتم جذب اهتماماتهم وتفكيرهم وتوجيه طاقاتهم لما فيه خير لهم، وطبعًا محاولة التأثير المباشر فيهم، لن يجدي نفعا نظرًا لطبيعة سنهم المتمردة التي تحب أن تفرض رأيها وسيطرتها، لذلك التأثير فيهم يحدث من خلال الترفيه الموجه والرياضة التي تمتص طاقاتهم الهائلة، واكتشاف مهاراتهم وقدراتهم، ومن ثم توجيهها لما يسهل عليهم اختيار طريق أسهل لحياة كريمة عندما يصبحوا مسؤولين عن أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم ووطنهم.

ولو تحدثنا عن فئة كبار السن ومتوسطي العمر فنحن نتحدث عن مُوَجِهات فكرية تأثيرها لا يستهان به في نمط تفكير الأجيال القادمة.. وربما تكون هي الفئة الأصعب لأن قناعات الكبار كالصخر الذي يصعب تشكيله، لذلك حبذا لو خوطب وعيهم وتنويرهم بإيجابيات التغير الذي لن يمس عقيدتهم ولا قيمهم، عن طريق المساجد وأماكن العمل، وبفعاليات سياحية وترفيهية تناسب اهتماماتهم، لتتوسع مداركهم وتجلي الضباب المتراكم في أذهانهم عن الصورة المشرقة للتغير الذي نعيشه.

الحديث عن التغير حكاية شرحها يطول.. وخلاصة القول إن العلاقة بين المتغير الاجتماعي والمتغيرات الأخرى سواء كانت اقتصادية أو سياسية او تكنولوجية، يجب أن تكون علاقة طردية، بحيث كلما زاد أحدها بمقدار، يزيد الآخر بزيادة تناسب زيادة الأول، من أجل مصلحة عامة تصب في مصلحة الوطن والمجتمع، ومنها ينالنا كمواطنين كثير من خيرات هذا التحول والتغير وايجابياته.