منذ نحو عام ونيف والتستر التجاري متابع من الجهات المسؤولة، ورغم الإنذارات والتنبيهات المتوالية لإنهاء تلك التعاملات غير النظامية في سوق العمل وما يرتبط بها من عقوبات، فإن القضية كما يتضح من البيانات الرقمية المنشورة، ما زالت قائمة وبقوة وإن لم تكن في ازدياد مستمر، في ظل تجاهل ملحوظ عن كثير من المؤسسات الكبيرة التي يعرف البعيد قبل القريب بأنها تستر، وأن أصحابها الفعليين غير مواطنين، بل وإنهم يخالفون جميع قوانين نظام العمل وتعليمات وزارة التجارة المسؤولة عن محاربة التستر بأشكاله ومجالاته التي اخترقت كل قطاع كأخطبوط طغى على معظم المعاملات التجارية السائدة في القطاع الخاص.

في التستر تُسجل المؤسسات التجارية جميعها باسم مواطنين وكأنهم الملاك الحقيقيون لها، في حين أنهم لا يستفيدون من تلك المؤسسات إلا الفتات وبنسب بسيطة جداً، مقارنة بما تدره تلك المؤسسات التجارية من أرباح كبيرة على مشغليها ومديريها من غير المواطنين، بل والعاملين فيها من الجنسيات المختلفة التي تستحوذ على معظم فرص العمل المتاحة في السوق، والسبب إن المشغل الحقيقي للمؤسسة هو غير مواطن، وعليه فإنه يستقطب أبناء جلدته للعمل معه، مع مشاركة عدد محدود جداً من المواطنين- إن وجد- في وظائف هامشية، لتحقيق السعودة الوهمية.

بمتابعة الإحصاءات والبيانات الرقمية الخاصة بسوق العمل، يتبين أن هناك عدم اتساق في البيانات الإحصائية، والتي تشير في تقريرها للربع الثالث من عام 2021، إلى انخفاض في عدد المشتغلين غير السعوديين- من دون العمالة المنزلية- إلى 6.069.997، بعد أن كانوا 6.523.298، في نفس الفترة من عام 2020، أي بنقص يصل لنحو 435.301 ألف عامل، وبما يشكل انخفاضا في نسبتهم في سوق العمل من %66.72 (2020) إلى %64.48 (2021)، بينما يشير ذات التقرير إلى ارتفاع معدل تشغيل غير السعوديين إلى %75.0 في 2021، بعد أن كان %71.9 في 2020، وإن هناك ارتفاعا في معدل مشاركة غير السعوديين بنسبة %76.9 في 2021، بعد أن كانوا %73.8 في 2020!!


بالاستناد إلى ما تم نشره إعلاميا عن تضخم حجم التحويلات المالية للخارج، للعاملين غير السعوديين والتي بلغت 154 مليار ريال سعودي في عام 2021، بعد أن كانت 149 مليار ريال في عام 2020، ليؤكد ذلك جميعه أن هناك خللا واضحا في تقدير الإحصاءات أو في المسوحات ونتائجها المتناقضة، إضافة إلى أن اعتماد الاستخدام الآلي في الحسابات لمعظم المؤسسات التجارية، قد أسهم في حصر الإيرادات الفعلية لكثير من الأعمال التجارية.

يؤثر التستر التجاري سلباً في الدفع بمساراتنا التنموية نحو تحقيق أهدافها، إذ إن استحواذ غير المواطنين على معظم الأعمال في المؤسسات التجارية بنسبة تصل إلى نحو %66 في حدها الأدنى، بينما لا يتجاوز مساهمة المواطن %34؛ فإن ذلك يؤدي إلى استمرار إعاقة نجاح سياسات التوطين، لأن جميع غير المواطنين المحتكرين للأعمال يستقطبون أبناء جنسياتهم في الأعمال التي يزاولونها وهم من يقوم بأعداد قوائم الاستقدام المفتوح على مصراعيه، وهم من يستبعد المواطن عن التوظيف في المناصب المهمة والمراكز الحساسة في الأعمال؛ وعليه فإن انخفاض البطالة بين المواطنين بالشكل المأمول، يُعد من الأمور المعقدة والبعيدة في ظل ما نشهده من اختلالات مستمرة.

وعلى الرغم من تصاعد حجم الإنفاق الذي تشهده مشاريعنا المختلفة، ومع ما نعيشه من نمو اقتصادي وازدهار ملموس، فإن ارتفاع حجم التحويلات المالية للعاملين غير السعوديين لبلدانهم، والتي بلغت في تضخمها ميزانية دول كثيرة؛ هو مؤشر لحجم الخلل في الهيكل البشري لسوق العمل، والذي يؤثر بشكل مباشر في مستوى ما نستهدفه من انتعاش اقتصادي، لأن خروج تلك الأموال الطائلة إلى الخارج يعني أن هناك جمودا وانحسارا في الإنفاق الداخلي، وفي معدل الاستهلاك الذي يحرك الاقتصاد وينعشه، بينما لو كان للمواطنين نصيب من هذه الأموال المستثمرة، فإن كثيراً من أوجه إنفاقها ستكون داخل الوطن بما ينعكس على خير مستمر للوطن والمواطنين.

ندرك أهمية تحويلات العاملين لبلدانهم وعوائلهم، وهذه من متطلبات التشارك في مسؤولية التنمية الدولية، ولكن تضخم حجمها الذي يفوق ميزانية دول، يشير إلى ارتفاع كبير في نسبة التستر في سوق العمل، والذي يتطلب مراجعة وتحديث وتطوير لكثير من سياسات وقوانين سوق العمل، بما يخدم تعزيز مساهمة المواطن فيه، بالحد من استقدام غير المواطن في جميع المؤهلات المتاحة والمخرجات المتراكمة لدينا، وبتحديد مدة الإقامة لفترة لا تتعدى خمس سنوات، مع منع تغيير مسمى المهنة الذي يتيح التنقل ما بين جهة وأخرى.

القضاء على التستر التجاري يتطلب صرامة وعدالة ونزاهة في تنفيذ القوانين، كما يحتاج لتوعية مدروسة وموجهة لأصحاب المؤسسات التجارية بأهمية تصحيحها لصالحهم وللصالح الوطني، بتطويع فكرة التستر لصالح المواطنين، بحيث تكون مشاركة الأعمال التجارية ما بين المواطنين ذاتهم، مع الاستعانة بغير المواطن في المهن البسيطة التي يفتقد وجودها فقط، التستر التجاري القائم يمتص خيراتنا ويحولها للخارج علاوة على عرقلته عملية التوظيف والتوطين.