قرأت مؤخرا، أن إحدى محاكم الأحوال الشخصية ألزمت زوجا بإثبات نسب طفلته وإضافتها إلى سجل الأسرة، وأمرته باستخراج أوراق ثبوتية لها في دعوى نزاع على نسب طفلة توأم تكبر أخاها بـ18 شهرًا، وبحسب وقائع النزاع المنشورة، أن الولد ولد في المستشفى، وأن البنت ولدت في البيت، وأن المحكمة فصلت في قضية نسبتها، واكتسب قرارها القطعية.

الحيثيات طويلة، وما يهمني هنا هو أن المحكمة بعد دراسة ما تقدم من الدعوى والإجابة ولما [قرره أهل العلم] حكمت بثبوت نسب الطفلة المولودة إلى أبيها، وأمرت باستخراج أوراق ثبوتية لها وإضافتها في سجل الأسرة، وتم تأييد الحكم، وجرى الطلب من جميع الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى، العمل على تنفيذ هذا الحكم لجميع الوسائل النظامية المتبعة ولو أدى ذلك إلى استخدام القوة الجبرية عن طريق الشرطة؛ وما يهمني في مقالي هنا، هو مناقشة رفض الاعتماد على اللجوء إلى تحليل البصمة الوراثية أو الحمض النووي (DNA)، في [نفي نسب المولودة]..

المتخصصون في الفقه يقررون أن البصمة الوراثية أو الحمض النووي (DNA)، وسيلة معاصرة في إثبات النسب أو رده، ويعتمدونها كوسيلة لإثبات النسب، وللأسف يتردد بعضهم في الأخذ بها كنافية للنسبة، علما بأنهم جميعا متفقون على أن الحكم على الولد إثباتًا أو نفيًا بناء على نتيجة البصمة الوراثية لن يكون حكمًا قطعي الثبوت بل ظنيًا، ونسب الولد لا يثبت ولا ينفى إلا بأدلة قطعية الثبوت والدلالة، مثل (الفراش)، و(الاستلحاق)، و(البينة)، و(القيافة)، و(القرعة)، على تفاصيلها المذكورة في كتب الفقه المعروفة؛ وتعد البصمة الوراثية أو الحمض النووي (DNA) اليوم الوسيلة العلمية البديلة التي اعتبرها العلماء المعاصرون طريقًا من طرق إثبات النسب من حيث الجملة، وإن كانوا قد اختلفوا في قضايا فرعية.


المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة في 10/01/2002 أصدر ضمن قراراته بشأن البصمة الوراثية ما نصه «أن البصمة الوراثية هي البينة الجينية التي تدل على هوية كل إنسان بعينه، ويمكن أخذها من الدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غيره»؛ وأن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب، لا بد أن يُحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، وأنه [لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب]، ولا يجوز تقديمها على اللعان، وأنه لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، وأنه يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في حالات التنازع على مجهول النسب، وحالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات أو أطفال الأنابيب، وحالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحروب والكوارث..

مع كامل تفهمي لتشوف الحكم للستر، ولم الشمل؛ إلا أن مسألة الاعتماد على البصمة في الإثبات، لا النفي، محيرة، لأن نتائج البصمة الوراثية يقينيّة، ومبنية على الحس، والأخذ بها نفيا وإثباتا، يحقق مقصود الشرع في حفظ الأنساب من الضياع، ويصد ضعفاء الضمائر من التجاسر على الحلف الكاذب، باللعان مثلا، ثم إنه لا يوجد مانع من الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي الولد عن رجل معلوم، أو أن التأكيد أن هذا الولد من هذا الرجل المعلوم، مما يعني استحالة قطع النسب، وتكذيب الحس والواقع، ومخالفة العقل؛ والشرع الحكيم لا يتعارض مع العقل السليم في مثل هذه المسائل غير التعبدية، والمعقولة المعنى، والتشدد في الرفض مكابرة، لا داعي لها، ومخالفة البصمة لحالتي الإثبات والنفي يتنافى مع أصل من أصول الشريعة في حفظ الأنساب.