الابن مسلم، ولم يحصل في يوم من الأيام أن طلبت منه أمه، أو من إخوته تغيير دينهم، بل عاشت مع والده ومعهم في حب وسلام، طيلة سنوات ليست بقليلة، والآن حانت لحظة الفراق اللازم، من هذه الدنيا، والغيبوبة أنهكتها، لطف الله بها وبالجميع؛ وشخصيا لا ألوم الابن، على حيرته، التي تسببت فيها آراء الفقهاء، خاصة أن غالبها دون نص يدعمها من الكتاب المعظم، أو السنة المطهرة..
الابن المكلوم، ربته أمه، وأرضعته، وتولت رعايته، وما منعته عن صلاته أو صيامه؛ يسمع أنه لا يصح له أن يدعو لمن أنجبته بالمغفرة، ولا أن يتصدق لله من أجلها، ويسمع كذلك أنه لا يجوز أن يشارك في غسلها أو تكفينها، واتباع جنازتها أو دفنها..
الممانعون يحتجون بقوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِه..}، وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ..}، ويغضون الطرف عن مفاهيم ثاقبة حول هذا الأمر بالخصوص، ومن أوضحها القول بجواز الدعاء لغير المسلم بغفران [ما دون الشرك]، وجواز الدعاء بالرحمة له، وأن يتقبل الله منه العمل الصالح، وأن يشمله تخفيف الحساب، وأن يثيبه بقدر ما قدم من خير، وما ترك خلفه من أثر صالح؛ وهو ما يؤكد عدم صحة الإجماع على حرمة الدعاء بالإطلاق لغير المسلم، ويؤكد أيضا أن المسألة على أقل تقدير خلافية، وأن خلخلة تعقيدات هذا الإجماع الكلامي الفقهي القديم، ليس خروجا عن الجادة، والنصوص في هذا الأمر تطول، وعندي وغيري الكثير منها، وليس مناسبا هنا الانحباس في سردها كلها، مكتفيا بحديث عدي بن حاتم الطائي، وقوله صلوات ربي وسلامه عليه: «إن الله قد رفع عن أبيك العذاب الأليم بسبب سخائه»، الذي ذكره النفراوي في شرحه على رسالة أبي زيد القيرواني المشهورة، معتمدا من قبل ومن بعد على عموميات آيات الحق، عز وجل، ومن أبرزها ما سميت في الصحيحين بـ«الآية الجامعة الفاذة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}..
من المعضلات غير الدعاء الذي سبق الإجمال عنه، هناك غسل المسلم لمن ليس على دينه، وتكفينه، واتباع جنازته، ودفنه فهذه مسائل جرى فيها الخلاف بين الفقهاء كذلك، دون أدلة مباشرة، فمنهم من ذهب إلى عدم الجواز مهما تكن درجة القرابة، ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك، ومنع أغلبيتهم دفن المسلم لقريبه غير المسلم في مقابر المسلمين، وحجتهم ألا يتأذى المسلمون [الميتون] من مجاورة من ليس على دينهم؛ وهنا سألني ذلك الابن المكلوم قائلا، «بالله العظيم، لو دفنتم أحد كبار عصاة المسلمين، بجوار من تجمعون على صلاحه، هل ستنجيه مجرد المجاورة؟»، فطمأنته أن مكانة الأمومة والأبوة مع أولادهم لا تنتهي بالموت، ولا يضرها اختلاف الدين.