المقرر المعلوم، في علم ما ذكر بعاليه، أن القرآن الكريم والسنة المطهرة هما أساسا العمليات الاجتهادية فيما يهم الناس، وأساسا المذاهب الفقهية، والاستنباطات المتعلقة بها، وما يتعلق بها من تفاعلات واختلافات وخلافات، بغض النظر عن الفذلكة اللغوية التي تفرق بين اللفظتين، إذ إِن المأمول هو عدم الوصول بأي منهما إلى الافتراق أو التنازع، خاصة بعد أن ثبت بما لا شك فيه أن الاختلاف «سنة اجتماعية»، بل «ضرورة» باصطلاح «ابن خلدون» الذي أورده في «المقدمة - ص: 255»، وأمر مقدر من عند الخالق، سبحانه وتعالى، وقانونه مذكور في القرآن الكريم.
وعن آياته المتعلقة بذلك، يقول الإمام الطبري في «جامع البيان»، عند تفسيره الآية 119 من سورة «هود»: «ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى..».
وفيما ذكره تأكيد على أن الله تعالى خلق الناس للاختلاف بالشقاء والسعادة.
وعن أزليته، يقول الشيخ «ابن تيمية»، رحمه الله، في «الفتاوى (42/95)»: «قد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين».
ويذكر الإمام إسماعيل الأصبهاني، رحمه الله، في «الحجة في بيان المحجة - ص:241»: «فإنا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في أحكام الدين فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعا، لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم، فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة، وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام، ولم ينقطع منهم نظام الألفة».
الواقع متشابك، وأحيانا يصل إلى حد التعقيد، وما عاد ينفع لمسائله الرأي الواحد أو المتكلم الواحد، وأصبح لازما التشارك في الآراء وفي الاجتهادات، وصار واجبا التشاور والمدارسات، وجمع المتخصصين من كل التخصصات؛ وإلا تعذر الفصل السليم في قضايا تهم الناس أجمعين مثل العقود المالية الجديدة، وبواطن ما يحدث في المصارف والشركات، وغير ذلك من مسائل معاصرة تحتاج إلى عودة جادة للموروثات، والاجتهاد الجماعي فيما يحتاج إلى انتقاء أو ترجيحات، إما في دائرة كل مذهب كبداية، أو في المذاهب المعتمدة جميعها، وصولا للهدف الأسمى، وهو تحقيق كامل التقارب في فتاوى الناس، والأحكام المعروضة عليهم، وتخفيف أو منع القطيعة بين الفقه والحياة، والفقهاء والناس.