الاحتفال بذكرى أحداث تاريخية لها قيمتها وطنيًا، هو من الأمور المطلوبة والمحفزة لمزيد من الاعتزاز والفخر والانتماء لدولة تأصل تاريخها لقرون، لدولة رُسخت جذورها وبُنيت قواعدها على قاعدة راسخة من الإيمان والعزيمة والإقدام على إرساء الوحدة والأمن في مجتمع المنطقة بعد قرون من التشتت والفرقة والتناحر بين القبائل في الجزيرة العربية، وبينهم وبين الغزاة الطامعين، دولة تعاضدت فيها قوة الدولة مع قوة الدين في تمكين الدولة السعودية الأولى في عاصمتها الدرعية باحتواء القبائل المتفرقة وجمع شملها وتوحيدها تحت قيادة موحدة، استندت على القرآن والسنة في دستورها وعقيدتها وفي منهاج حياتها وسياستها.

لم يكن من السهولة توحيد ذلك المجتمع القبلي المتناثر بين أرجاء شبه الجزيرة العربية، ولم يكن من الأمور البسيطة بناء ذلك الصرح الوطني للدولة بجميع مكوناته المعقدة وتاريخه الثري بالتضحيات وضروب الكفاح من أجل بناء الدولة وإطلاقها كدولة عصرية باسم المملكة العربية السعودية، فكان هذا الكيان هو ثمرة توحيد المناطق المتناثرة بين أرجائه، وهو حصاد القدرة على السيطرة على الفيافي الممتدة بمساحات شاسعة، تحت مظلة واحدة وبقيادة موحدة شامخة حكيمة؛ كان ذلك هو الجائزة المستحقة لمسيرة التأسيس الراسخة والتي امتدت جذورها لنحو ثلاثة قرون بدأت منذ العام 1139/‏1727.

منذ بداية مرحلة التأسيس وذلك الكيان الوطني يلملم أطرافه ويجاهد في جمع ذلك الاختلاف الطبيعي في الجغرافيا وفي ذلك التنوع البشري في بوتقة واحدة، قيادات تمكنت من تأمين أطراف الدولة وحماية حدودها من أي نوع من الاعتداءات الخارجية أو الاستعمار الدولي الذي هيمن على سائر دول المنطقة آنذاك، قيادات استطاعت توفير مستوى عالٍ من الأمن الداخلي رغم اتساع المساحات وتباعدها ما بين شمال الجزيرة وجنوبها وشرقها وغربها، بما يتخللها من تضاريس صعبة وظروف مناخية مختلفة ومجتمعات مختلفة وحدود مشتركة مع ثماني دول مجاورة.


كانت بداية تأسيس الدولة السعودية على يد الإمام محمد بن سعود في 1139هـ هو النواة التي بني عليها ذلك الصرح الوطني، والذي استمر لنحو مائة عام من 1139-1233هـ، وما لبث للعودة مجددًا بعد سبع سنوات على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود في الفترة من 1240-1309هـ والتي كان فيها تأسيس الدولة السعودية الثانية، ولتُستكمل المسيرة بعد عشر سنوات، قيض الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود لمتابعة مسيرة بناء الدولة والنهوض بها منذ العام 1319/‏1902، وكان ذلك تأسيسًا للدولة السعودية الثالثة وتوحيدها باسم المملكة العربية السعودية، والتي توالى على قيادتها أبناء الملك عبدالعزيز -رحمه الله- فساروا على نهجه في تعزيز بناء الدولة والحفاظ على وحدتها واستقلالها.

الإلمام بتاريخ بناء الدولة وتأسيسها على قواعد تشريعية من القرآن والسنة، والاحتفال بتلك الذكرى الوطنية وتخصيصها بإجازة رسمية؛ فيه تذكير واحتفاء بحدث وطني أصيل، فيه تقدير لسيرة قيادات بذلت وكافحت وصبرت على الشدائد من أجل تكوين السعودية اليوم، الاحتفاء فيه استشعار لتاريخ وطن تجذرت أصوله لقرون بما يدعو للفخر والعزة والسمو بوطن لم يستطع الاستعمار النيل منه أو التأثير عليه، في فترة تقاسمت فيه الدول الكبرى أراضي الشعوب وممتلكاتها، التذكير بيوم التأسيس فيه استعادة لكثير من الدروس والعِبرْ الوطنية التي تستحق الامتثال بها والرجوع إليها، دروس نموذجية في الحياة الاجتماعية والسياسية، عِبرْ يستفاد منها في كيفية تحقيق الأهداف ومنهجية بلوغ الغايات لتتحول الآمال إلى حقائق قائمة والأماني إلى واقع نعيشه ونلمسه.

كانت الرغبة في توحيد القبائل المشتتة المتناحرة، والاهتمام بجمع كلمتهم ولمْ شملهم تحت مظلة واحدة تحتويهم؛ هو الشغف الذي تحلى به قادة هذه الدولة منذ بداية تأسيسها، فكانت الدولة العصرية هي الأمل الذي سعوا إلى تحقيقه في نموذج السعودية اليوم، كما كانت الصفات المتوارثة من الشجاعة والتضحية والإصرار على بلوغ الأهداف مع الصبر على الشدائد؛ هي السلاح الذي اعتمدت عليه في كفاحها، والذخيرة التي أمّنت استمرارها وبقاءها، وقد مثلت الحكمة في إدارة أمور الحكم والناس، والحنكة في توطيد العلاقات الدولية؛ نهجًا وطنيًا ترسخت جذوره منذ تأسيس الدولة في نواتها الأولى، حتى أصبحت سمة مميزة للمملكة العربية السعودية وقادتها في مكانتها الدولية، وبما استحقت به ذلك التفوق والإبداع والتميز الذي نعيشه اليوم بل ونقطف فيه ثمار جهود حثيثة بذلت وكفاح أجيال مضت لتكون السعودية اليوم بعطائها الدائم وفيض خيرها الوارف الذي شمل بسخائه وكرمه مختلف الدول والشعوب.

الإشادة بالمنجزات الوطنية على جميع الأصعدة هو تقدير وتثمين لجهود قيادة حكيمة بذلت بسخاء، ولمؤسسات راعية أنفقت بتوجيهات كريمة سامية، ليستمر البناء ويتنامى العطاء ويتعزز الانتماء لوطن يحمينا ولقيادة ترعانا بكنفها وعزها.