وأنا أتابع جهود «هيئة الرقابة ومكافحة الفساد» ـ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد سابقا، إضافة لهيئة الرقابة والتحقيق، والمباحث الإدارية ـ في حماية النزاهة، وتعزيز مبدأ الشفافية، ومكافحة الفساد المالي والإداري بشتى صوره؛ وأستمع لبعض الأحاديث الدائرة بهذا الخصوص، تذكرت مثلين جميلين، يدوران في فلك واحد، الأول: «لا تسرق، لا تخاف»، والآخر لغته دارجة: «امشِ عدل، يحتار عدوك فيك»، وبينهما ارتباط وثيق للغاية..

بغض النظر عن وجود من اجتهد دون خطأ، أو من اجتهد وأخطأ دون قصد، أو من أخطأ متعمدًا؛ فإن الإنسان السوي، الواثق بنفسه، لا ينبغي له أن يتحسس من أي أنظمة رقابية تواجهه، أو يواجهها، والمهم ألا يخاف منها، بشرط «ألا يكون سارقا»، كما جاء في المثل الأول، الذي يعتبره الأسوياء ثقافة ينبغي أن يحيا الناس عليها، ويموتون عليها، ويجعلونها في ضمائرهم، في كل وقت، لأنها خير قائد لهم في مستقبل أيامهم، وهي تنبههم أيضًا إلى «مفهوم» آخر ينبغي أن نشيعه، عن «منطوق» المثل الأول، وأقصد بذلك، «من يخاف لا يسرق»، أو كما يقول أهلنا بالعراق: «حرامي لا تصير، من السلطان لا تخاف»..

المثل الآخر: «امش عدل يحتار عدوك فيك»، مثلٌ شعبي بسيط، طالما سمعناه في الدراما المصرية، ويعود أصله، حسب المشهور عندهم، إلى أنه كان هناك شخصان يتشاجران فى موضوع ما، واختلف كل منهما مع الآخر، فأراد أحدهما أن ينتقم من الآخر ويدبر له مكيدة، لا يستطيع الخروج منها مرة ثانية، وفشل، لأنه لم يجد دليلا يدينه، وبالفعل نجد أن عامة الناس اتخذوا هذا المثل أسلوب حياة لهم، لأن لديهم قناعة راسخة في صعوبة الإيقاع بأحد أو معاقبته، طالما أنه لم يسرق أو يخطئ أو يتجاوز..


اليوم يخطئ من يظن أن حبل السرقة والنهب والخداع طويل، فالواقع يؤكد أن مجرد الجلوس أمام شاشة الحاسوب، واستخدام الشبكة العنكوبتية، والهاتف، فإن الإنسان يكون قد فتح لنفسه ملفًا جاهزًا تحت الطلب، لكل تحركاته واتصالاته، ولن ينجيه من «السجن» أحد، على حد قول أحد المقيمين غير الناطقين باللغة العربية، عندما سأله قريبه عن الأوضاع فقال: «أمش طوَّالي تأكل تمر.. روح يمين يسار فيه سجن»، ينبهه بذلك لضرورة الالتزام بما يشرفه بين الناس، من صدق وإخلاص وأمانة ونزاهة؛ وهنا أوصي بأن يتعود الإنسان على كتابة مفكرات ومذكرات بسيطة لكل أعماله، ويتخذ ما يسمى عند المحاسبين «مسك الدفاتر»، لكتابة أعماله المالية، ويستخدم لذلك تقنية «الكرسي الفارغ»، كما يسميها علماء النفس، حيث يتخيل الكاتب وجود شخص ما على كرسي ثم يخبره عما فعله، وتم معه، من أجل أن يضمن أنه على الصراط المستقيم، إضافة لكسب الشعور بالانتعاش الدائم، وتفريغ أي سلبيات، وقديما قيل لمن لا يخاف، وطبعا لمن يخاف: «ما كُتِبَ قرَّ، وما حُفِظَ فرَّ».

خاتمة: قال الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله ورعاه، في مقابلة «أتلانتيك» الرائعة: «اعتقد البعض أن السعودية كانت تحاول اصطياد الحيتان الكبيرة والمحترفة، لكنهم بحلول عام 2019 إلى 2020، أدركوا أنه حتى لو سرق أحدهم 100 دولار فسيدفع الثمن».