في العشرين من شهر رمضان الماضي، كتبت هنا عن اللقاء الجميل لسمو سيدي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله ورعاه، الذي بث آنذاك، وتوقفت هناك عند شاهدين علميين رائعين لسموه، أيده الله، في ذلك اللقاء، الأول: «..أغلب المدونين للحديث يصنفون الحديث أنه حديث صحيح أو حسن أو ضعيف، لكن تصنيفا آخر هو الأهم: الحديث المتواتر والآحاد والخبر..»، والآخر: «لا عقوبة على شأن ديني إلا بنص قرآني واضح، وتطبق هذه العقوبة بناء على كيفية تطبيقها في عصره، صلى الله عليه وسلم..».

اليوم، وأنا أعاود القراءة في اللقاء الجميل، للأمين علينا، في العدد الشهري الأخير لمجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية العريقة، أتوقف عند الذي أستطيع أن أكتب عنه حسب تخصصي الشرعي، وأقصد قول سموه: «مصطلح «الإسلام المعتدل» ربما يجعل المتطرفين والإرهابيين سعيدين، حيث إنها أخبار جيدة لهم، إذا استخدمنا ذلك المصطلح، فإذا قلنا «الإسلام المعتدل»، فإن ذلك قد يوحي أن السعودية والبلدان الأخرى يقومون بتغيير الإسلام إلى شيء جديد..»، وهنا أقول، بعد تسجيل الفخر والامتنان بما قرأت، إن الشجاعة في هذا الطرح افتقدناها كثيرا، وبشكل أدق، لو تفوه بها أحد قديما لما نجا من أقرانه، ولكنها اليوم تمدني وغيري بكثير من القوة في إظهار التعليق على هذه المسألة التي لا أجد غضاضة في أن أسميها «أكذوبة الإسلام المعتدل» أو «الإسلام الوسط»، لأن الإسلام دين واحد، ولا يمكن أن يتجزأ، والقول بغير ذلك يُفهم منه وجود إسلام آخر، وهذا من شأنه أن يصنف الناس، ويقسمهم، ويمزقهم، ويشتتهم، وهو الذي حرصت وتحرص عليه بكل قوتها معامل ومختبرات البحث الأجنبية، لتمرير ما تريده عبر معاونيها.

كما حرصت وتحرص على إخفاء كلمة «الأمة الوسط» التي وصف بها الحق، عز وجل، هذه الأمة في قوله سبحانه بسورة البقرة: {وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..}.


في موضع آخر من اللقاء، وبالجرأة العلمية التي طالما تعودناها من سمو الأمين، قال: «في الشريعة الإسلامية، رأس المؤسسة الإسلامية هو ولي الأمر، أي الحاكم. لذلك، فإن القرار النهائي بشأن الفتاوى لا يأتي من المفتي، بل يُتخذ القرار النهائي من الملك..»، وهي كلمات دقيقة جدا، وقد تكون صادمة لمن يصر أن يغمض بصيرته قبل بصره عن قواعد شرعية عامة، تستحق التنويه عنها من جنس تأكيد أن «الإمامة»، كما عرفها الإمام الماوردي في كتاب «الأحكام السلطانية»: «مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا..»، وسار على ذلك الفقهاء الأعلام الذين ميزوا بين الوظائف التي ذكرها الأمير ضمنا: المفتي، والقاضي، والإمام، أي ولي الأمر.

وهنا أختم بإجابة الإمام القرافي، في الجزء الأول من كتاب «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام»، عن سؤال عن الفرق بين المفتي والحاكم، وبين الإِمام الأعظم في تصرُّفاته؟: «إنَّ الِإمام نِسبتُهُ إِليهما كنسبةِ الكلِّ لجزئه، والمركَّبِ لبعضِه، فإِنَّ للِإمام أن يقضي وأن يُفتي، وله أن يَفعل ما ليس فُتْيا ولا قضاء كجمع الجيوش، وإِنشاء الحروب، وحَوْزِ الأموال، وصَرْفِها في مصارفها، وتوليةِ الولاة، وقتلِ الطغاة، وهي أمور كثيرة يختصُّ بها، ولا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي؛ فكلُّ إمامِ: قاضِ ومُفتِ، والقاضي والمفتي لا يَصْدُق عليهما وصف الإِمامة الكبرى».