من المتداول بين أفراد المجتمع، ارتفاع معدل توظيف الإناث على حساب توظيف الذكور من المواطنين في السنوات الأخيرة والذي يؤدي -بمفهومهم- إلى اختلال في الميزان الاجتماعي التقليدي، مع استنكار من بعض فئات المجتمع لتلك الإجراءات المتبعة في التوظيف وبما يعتقدون أنه تمييز ضد الذكور، بالاستناد إلى الاعتبار التقليدي الذي يعتمد الرجل بأنه صاحب الإنفاق الوحيد وأنه من يتحمل أعباء نفقات الأسرة ومسؤولياتها وحده، دون الانتباه أو حتى الإشارة لتغير البوصلة منذ سنوات، تزامنت مع توظيف المرأة وتمكينها في سوق العمل تدريجيًا، والذي فرض عليها -أدبيًا- مشاركة الرجل في تحمل مسؤولية الإنفاق وبنسبة كبيرة خاصة مع ارتفاع تكاليف الحياة ومتطلباتها، بل وأحيانًا تكون هي من يتحمل مسؤولية الإنفاق وحدها، سواء كانت متزوجة أو لم تتزوج لأسباب ولظروف مختلفة.

منذ عقود مضت لم تكن هناك عدالة أو توازن في توظيف الإناث في مجتمعنا، بل اقتصر توظيفهن على وظائف محدودة جدًا شملت التعليم والصحة وبعض الوظائف الأمنية في المجال النسائي، وهذا بدوره ساهم لعقود في اختلال ميزان التوظيف لصالح الذكور، رغم تعليم المرأة وتخصصها في مجالات مختلفة، ولكن سياسات التوظيف لم تتماش مع تطور تمكين المرأة بالتعليم والتأهيل بدايةً، والذي أدى لتراكمات من الخلل في معدل التوظيف للإناث وقصوره الكبير بما لا يخدم إمكانات المرأة ولا يحقق تطلعاتنا التنموية نحو رفع نسبة مشاركة المواطنين في سوق العمل.

مع رؤية 2030 التي انطلقت من إستراتيجية تنموية وطنية شاملة، كان للإناث مكان متميز في تلك الإستراتيجية بسبب استشعار القيادة بأهمية زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل كونها تمثل نصف المجتمع، وبما يناسب مكانتها الاجتماعية ومستوى تأهيلها، ويساهم في تعزيز تمكينها، والذي تطلب بدوره استحداث وإصلاح قوانين شخصية ومدنية وتشريعية تناسب ما نعيشه في مرحلتنا التنموية من متطلبات، وما نسعى إليه من مستهدفات تليق بالسعودية اليوم والمستقبل.


بالاستناد إلى بيانات الهيئة العامة للإحصاء القريبة، والتي تزامنت مع بداية انطلاق الرؤية في تحقيق مستهدفاتها، يمكننا المقارنة بين معدلات توظيف المرأة في بدايات مرحلة الرؤية من العام 2017 وحتى نهاية العام 2021، لنلاحظ الفرق الواضح في نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل الوطني مقارنة بالذكور، والذي لم يحقق بعد التطلعات المستهدفة، ولكنه أحدث تغييرًا إيجابيًا ملموسًا في بنية السوق وفي هيكله من الموارد البشرية المواطنة، خاصة مع انخفاض نسبة مشاركة المواطنين في سوق العمل مقارنة بغير المواطنين.

بالمقارنة بين إحصاءات «الربع الأخير» من العام 2017 والعام 2021، تشير البيانات إلى أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة مشاركة جملة المواطنين في سوق العمل، فبعد أن كانت نسبة مشاركتهم %26.30 من جملة المشتغلين في السوق في العام 2017 -دون احتساب العمالة المنزلية- أصبحت نسبتهم %35.25 من جملة المشتغلين في العام 2021، وعليه ارتفعت كذلك مشاركة المرأة المواطنة بنحو %4 بالمقارنة بين الفترتين، فبعد أن كانت تشارك بنسبة %8.80 فقط من جملة المشتغلين في سوق العمل في العام 2017، ارتفعت نسبة مشاركتها إلى %12.97 في العام 2021، وبما يشير لتحسن كبير في توظيف الإناث لمعالجة الخلل السابق والمتراكم في معدل مشاركة المرأة في سوق العمل.

عند المقارنة بين نسب مشاركة الذكور والإناث المواطنين في سوق العمل للفترة المذكورة، نجد أن معدلات الزيادة في مشاركتهم متقاربة وليست متساوية إذ ما زال الذكور يفوقون الإناث في التوظيف!، بمعنى أنه ليس هناك اختلال في توظيف الذكور على حساب الإناث، وإنما هناك ارتفاع في نسبة توظيف الإناث مقارنة بالسنوات السابقة قبل الرؤية، وهو التغيير الذي حصل والذي كان مطلوبًا وبشدة.

تشير البيانات الإحصائية للفترة المذكورة في المقارنة، إلى ارتفاع في نسبة مشاركة الذكور المواطنين في سوق العمل ما بين الفترتين المذكورتين، إذ ارتفعت نسبة مشاركة الذكور من %17.49 من جملة المشتغلين في العام 2017، إلى %22.27 في العام 2021، أي بفارق زيادة %5 في نسب التوظيف وبذلك فهم ما زالوا يتفوقون على الإناث في نسب التشغيل في السوق. التغيير الذي يجب أن نستوعبه في آلية التوظيف المطلوبة، هو أن المفاضلة في التوظيف؛ لا بد وأن تخضع للأفضلية في التأهيل والقدرات والمهارات للوظيفة المتاحة، وليس لنوع المتقدم هو ذكر أم أنثى، باستثناء بعض الوظائف التي لا تناسب الإناث لأسباب مختلفة، ومثلها التي لا تناسب الذكور لأسباب تتعلق بأفضلية النوع فيها أكثر من التأهيل وغيره.

عامل المساواة بين الجنسين، يُعد من المعايير المستهدفة في تقييم مستوى التنمية البشرية للدول، وهو من مؤشرات التوازن في سوق العمل الدولي ودليل على مستوى التنمية الذي تحققه الدول في ذلك الاتجاه، وإذ تشير التقارير الدولية إلى أن هناك دائمًا مفارقة واضحة وكبيرة في التوظيف وفي المشاركة في سوق العمل بين الإناث والذكور حتى في الدول المتقدمة، علاوة على عدم المساواة في الأجر وغيره من المستحقات المختلفة.

المساواة بين الجنسين من المعايير المستهدفة في تقييم مستوى التنمية البشرية ومن مؤشرات التوازن في سوق العمل الدولي