التراث الطبي والصيدلاني في الحضارة العربية الإسلامية ضخم في كميته، كبير في قيمته، عظيم في تأثيره في الحضارة العالمية. وقد لمع عدد من الأطباء والصيادلة، هم بين نجوم العالم كله، ويكفي أن نشير إلى البعض منهم ليتضح لنا معنى هذه النجومية العالمية.

أسماء كثيرة من العلماء العرب عرفها العالم، فعندنا من القرن الثالث.هـ / التاسع.م، حنين بن إسحق صاحب «عشر مقالات في العين»، وعلي بن رَيّان الطبري صاحب «فردوس الحكمة»، وقسطا بن لوقا البعلبكي مؤلف «رسالة في تدبير سفر الحج»، وسواها، ويطالعنا في مختتم القرن الثالث/ التاسع ومفتتح القرن الذين يليه الرازي صاحب «الحاوي» وأول من اكتشف الفرق بين «الحصبة والجدري»، وفي القرن الرابع/ العاشر عندنا علي بن عيسى «بغداد» مؤلف «الكتاب الملكي»، وفي منتقل القرن الرابع/ العاشر إلى القرن الذي يليه يبدو الوجه المشرق لأبي القاسم الزهراوي الأندلسي، وهو كبير الجراحين ومؤلف «كتاب التصريف»، ونجم القرن الخامس/ الحادي عشر الساطع هو ابن سينا، الذي وضع كتاب «القانون في الطب»، ويزامله زمناً ابن رضوان في مصر، وابن بطلان في بغداد، وابن رشد في الأندلس، أما في الصيدلة فلنكتف بذكر أبي منصور موفق المصري في القرن الثاني /الثامن، وهو أقدم من عثر عليه حتى اليوم, وابن وافد الأندلسي من علماء القرن الخامس/ الحادي عشر، وابن البيطار شيخ المؤلفين العرب المسلمين في «مفرداته».

نكتفي بهذه الأسماء وهي قطرة من بحر، اعترافاً لأصحابها بالدور الذي قاموا به. فنحن في هذا المقال لا نؤرخ للطب العربي الإسلامي، بل يهمنا أن نتحدث عن دور الطبيب العملي في صنع الحضارة العربية الإسلامية.


على أننا لا يجوز لنا أن نترك هذه المقدمة القصيرة، دون أن نشير إلى أن الكثير من المؤلفات التي ذكرنا، والأكثر مما لم نر حاجة لذكره هنا، قد نقل إلى أوروبا عن طريق الأندلس وصقلية وبلاد الشام «إلى درجة أقل كثيراً» فكان لذلك أثر في تطور الطب في تلك الربوع.

وقد برز كتاب «القانون في الطب» لابن سينا على نحو خاص، في الأدب الطبي الأوربي، من حيث تعدد ترجماته ودراسته، بحيث كما يرى ماكس مايرهوف أنه لم ينل أي كتاب طبي، من العناية ترجمة ونقلاً ونقداً، مثل الذي لقيه هذا الكتاب، الذي ظل يستعمل لدراسة الطب في بعض معاهد الطب الأوروبية حتى القرن السابع عشر.

ولعل من أطرف ما يجدر بنا أن ننقله هنا إلى قراء العربي، ما قاله مارتن بلسنر عن الكتاب، وهو أن الكتاب قد طبع بأصله حول سنة 1593م في روما، وذلك بعد فترة وجيزة من دخول الطباعة العربية إلى أوروبا.

والطب، من حيث إنه صناعة، يقول فيه ابن خلدون: «هذه الصناعة «الطب» ضرورية في المدن والأمصار، لما عرف من فائدتها، فإن ثمرتها حفظ الصحة للأصحاء, ودفع المرض عن المرضى بالمداواة، حتى يحصل لهم البرء من أمراضهم». ويضيف في مكان آخر بقصد التشديد على أهمية هذه الصناعة، أن التوليد هو جزء من الطب، إذا احتيج إلى الجراحة. ويحدثنا أيضاً عن مقتضيات ما يجب أن يعنى به الطبيب لا المتطبب، من سجايا، وقد نعود إليها في مكانها من هذا الحديث.

لا ننوي التحدث عن تطور صناعة الطب وعلومه، ولكننا لا بد لنا من أن نشير إلى أمرين مهمّين، الأول أن الطب من حيث إنه علم عرفه اليونان والهنود من قبل، وقد انتشرت هذه المعرفة العلمية وتطبيقات عملية كثيرة لها في ربوع العالم القديم، وكان أن وصلت إلى المشرق العربي وجواره. وقد تركزت دراسة الطب قبل الإسلام في جنديسابور «على مقربة من الأهواز» حيث أقام ملوك الساسانيين, منذ القرن الرابع الميلادي، مستشفى

«بيمارستان» ومكاناً لدراسة الطب. وفي أيام كسرى أنوشِروان «531 ـ 579م» أصبحت هذه المدينة أكبر مركز علمي في المنطقة. ونحن نعرف أن الحارث بن كَلَدة, الذي طب للنبي «صلى الله عليه وسلم» كان قد درس هناك، وكذلك ابنه بعده.

وقد عرف عن الخليفة المنصور أنه كان إذا أصابه مرض يستدعي طبيباً من جنديسابور للإشراف على علاجه.

وكان أعضاء أسرة بُختيشوع من مشاهير أطباء البيمارستان والمدرسة هناك، فكان أن انتقل جُرجيس بن بُختيشوع إلى بغداد، حيث فتح لنفسه ما يسمى عيادة وكان يدرس علم الطب لمن يرغب في دراسته. وهذا الخبر ينقلنا إلى سؤال: أين كان يدرس الطالب الطب حيث لم تكن بيمارستانات، وهذه نشأت في وقت فيما بعد؟.. هذا الخبر عن جُرجيس يوضح هذه الناحية: كان الذي يعرف ويطمئن إلى معرفته وخبرته يعلم الآخرين. وفي أسرة بُختيشوع بالذات تدارس الطب الابن عن الأب سبعة أجيال!

وقد وقعنا على قصة طريفة عن البيروني وعن تعلمه الطب، رواها هو عن نفسه قال:

«كنت في صباي أحمل الشيح من ضيعتي يبرود»على مقربة من دمشق«وأبيعه في دمشق. وكنت يوماً أقود دابتي وعليها حملها من الشيح. فمررت بالفاصد أبي الخير وقد فصد شاباً، فوقعت الفصدة في الشريان فتحيّر وتبلّد، وطلب قطع الدم فلم يقدر على ذلك، فاجتمع الناس عليه. فلما رأيته على تلك الحال أشرت عليه بأن يفصده في اليد الأخرى، ويسدّ الفصد الأول، ثم يعود للثاني فيسده. ففعل ووقف الدم. فتشبّث أبو الخير بي وسألني عما أمرته به، فأخبرته أنني أرى أبي في وقت سقي الكرْم، إذا انفتح شقّ من النهر وخرج منه الماء، لا يقدر على إمساكه حتى يفتح فتحاً آخر ينقص به الماء الأول الواصل إلى ذلك الشق ثم يسده بعد ذلك. فلما سمع أبو الخير ذلك منعني من بيع الشيح، واقتطعني وعلمني صناعة الطب. فلما تبصرت بأشياء منها وصارت لي معرفة بالقوانين العلمية، أردت أن أستزيد من أحد ثقات الأطباء فدلوني على أبي الفرج «لعله ابن التلميذ؟» وكان ببغداد، فتأهبت للسفر وأخذت سواراً كان لأمي وتوجهت إلى بغداد، وصرت أنفق على نفسي ما يقوم بأودي، واشتغلت على أبي الفرج حتى مهرت في الصناعة فعدت إلى دمشق» وكان هذا في القرن الخامس / الحادي عشر.

وإذا نحن رجعنا إلى كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن القفطي وقعنا على الكثير من قصص التعليم والتعلم الفردي الشخصي.

2001*

* مؤرخ ومؤلف فلسطيني الأصل لبناني الجنسية «1907 - 2006»