يروى أنَّ رجلا جاء إلى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، وقال له: لقد استمعتُ إلى حديثٍ باطل، فهل أنا آثم؟ فقال عمرو: «المستمع شريك القائل»، ثم مضت الأيام، ومرّ من عند قوم يتجادلون، وأحدهم يقول:..ولقد بلغني أنًّ عمْرًا يقول: «السامع شريك القائل»، فتوقّف عمرو ليقول: «أنا قلتُ المستمع وليس السامع». أوقفني توقّفُ عمروٍ؛ لأنه ألحَّ عليَّ أن أسأل عن الفرقِ بين السماع والاستماع، وقبل ذلك اهتمامه بأنَّ القول شِركة بين اثنين؟ أعني قائل الكلمة ومن استمع إليها بقصد، والقصدية -كما يظهر لي- هي مما يُفرق بين المستمع والسامع، إلا أنه يكثر في التراث العربي قول: «سمعتُ فلانًا يُحدّث بكذا»، ولفظة «سمعتُ» عند علماء الحديث من أعلى درجات المسؤولية، إذ لمَّا تقول «سمعتُ» فأنت تتحمّل ما نما إلى قلبك، وإذا كان الكلام يُنسب إلى نبي أو رجلٍ صالح فمسؤوليتك أثقل حين قلتَ «سمعتُ»، فلماذا لم تكن اللفظةُ «استمعتُ» بما أنَّ ابنَ عتبة قال لنا إنها شِركة؟ من الملاحظ أني حين أقول «سمعتُ فلانًا» لا أضع فاصلًا بين اللفظتين، أمَّا لو قلتُ «استمعتُ» فسأضطر لوضع «إلى» أو اللام بينهما، فأقول: «استمعتُ إلى فلان» أو «استمعتُ لفلان»، فيبدو أنَّ هذا الفاصل يفصل -حقيقة- بين المتحدث والسَّامع، ومن ثم يُضعف قوةَ التَّحمل، أي كأنَّه يقول لنا كان سماعي لفلان بواسطةٍ ما. إذن لماذا حرص عمرو بن عتبة على الاستماع وليس السماع؟

سأعود قليلًا إلى لحظةٍ زمنية غابرة كان فيها النَّاسُ يُعلون من شأن المتكلم؛ لأنَّه صاحبُ الكلمةِ المنطوقة، وبما أنَّه صاحبها فهذا يعني أنَّها قريبةُ من النفس التي نفخ الله فيها من روحه؛ إذن هو أدرى بمقاصدها وحقيقتها، وكان المستمع -حينها- وعاءً لما يُريده القائل فحسب، وهذا يعني أنَّ معنى الكلام المنطوق قد اكتمل في ذهن صاحبه قبل أن يتلفظ به لأحد. هذا الاعتقاد يُناسب الأقوال المقدسة -كقول الله وأنبيائه- فهي التي تكون مكتملة المعنى، ولا تفتقر إلى مستمعيها، لكنَّ العربَّ لم يكونوا أهل كتابٍ إلا بعد أن جاءهم القرآن، لهذا كان تاريخ القول عندهم مغايرًا لبني إسرائيل وأمةِ اليونان، فالعرب قبل الكتاب كانوا أصحاب شِركة بين قائل ومستمع، يتفاخرون ويتجادلون ويتدافعون بالأقوال، فما إن يستمع أحدهم قولا إلا وقد أنبت في صدره معنىً له يختلف عن مراد قائله الأول، وهذا ما قد تراه ماثلا في مجادلات سوق عكاظ مثلًا، ولا يعترض صاحبُ القول الأول إلا بما يُنبت قولًا جديدًا، وهكذا ظلّت العربُ حتى ولد بين ظهرانيهم نبي منهم، له أقوال مقدسة، وجاءهم بكتابٍ إلهي. وبما أنَّ الكتابَ بلسانٍ عربي مبين، فإنَّه لم يُلغِ فكرة الشِركة في القول ومعناه، وتُمثله لفظة «الاستماع»: «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا»، أي كونوا مشاركين في فهمه، وهذا معنى قول مَن قال: «المصحف لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال»، لكنَّ القرآن أسَّس شيئًا جديدًا، وهو المعنى المكتمل الذي تُمثله لفظة «السماع»: «خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا»، أي اعملوا بما سمعتم والتزموا به، لكنَّه لم يكن كاليونان وبني إسرائيل في تقديس المتكلم وصوته، إنما وضع مساحة للسامع يشارك بها، وهي على وجهين: الأول القول الحكيم، أي الإصابة في القول من غير نبوة، والحكمة من أحكم الشيء إذا أتقنه، ولا يكون الحكم إلا بوجود الآخر الذي يُشارك في إيصال القائل إلى أعلى درجات الإتقان، لهذا قال حكيم عن نفسه: «لم يوقعني في البلاء إلا صحبة من لا أحتشمه»، أي أنَّ الحكيم لا يكون حكيما إلا بمساعدة السامع. والوجه الآخر أن العرب يشاركون في تثبيت معنى للنص المقدس بالعمل الجماعي: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم». من هنا يمكن لمقولةِ ابن عتبة أن تكون نظريةً في الشِركة أو نظريةً في التَّلقي على طريقةِ العرب.

التفاتة:


وُضِع قول ابن عتبة في كتاب «آداب الصحبة» للسلمي النيسابوري منسوبًا إلى النبي، وكأنَّه وصل إلى درجة أن يكون قانونًا عربيًا، متعلقًا بالمصاحبة التي تعني أنَّ إنتاج المعنى لا يأتي إلا تشاركا بين الأصحاب.