يحكي لي أحد الأصدقاء من تجار الرياض، أنه ذهب هو وأحد تجار العقار المعروفين لبيع أرض قيمتها حوالي مليار و100 مليون ريال، وهم كانوا يسكنون في أحد الفنادق وبعد إنهاء الإجراءات، بينما صديقنا في لوبي الفندق طلب شايًا، ولكن عندما حضر تاجر العقار أو التراب سمها ما شئت (والذي باع للتو أرضًا بأكثر من مليار ريال) لام على صديقي وقال له «لماذا تطلب شايًا من اللوبي حق الفندق دعنا نخرج من الفندق ونشتري شايًا من بره سيكون أرخص» (أي سيوفر بضعة ريالات!) طبعا صديقي تعجب من تصرف رجل العقار وعنادًا فيه طلب 15 كوب شاي، لدرجة أن موظفي الفندق استغربوا عدد أكواب الشاي! ولكنه أصر وليعلم «أخينا» تاجر العقار درسًا، هذا القصة واقعية وحكاها لي صديقي الذي حدثت له قبل كتابة هذا المقال والأشخاص الذين في القصة موجودون!
القصة الثانية، كنا خارج المملكة قبل سنوات وكان هناك بعض رجال الأعمال المعروفين الأغنياء جدًا بالأحرى ثلاثة. وكنت الرابع، وبعد العشاء خرجنا من الفندق نتمشى فمررنا بأحد الكافيهات العادية فجلسنا لاحتساء بعض القهوة وبعض الكيك، وفاتورتنا كانت بسيطة للغاية لا تذكر، وعندما أتت الفاتورة نط أحد رجال الأعمال (غني جدًا) وقال (نتقاسم الفاتورة!) طبعًا من هول المفاجأة بدأنا ننظر لبعضنا البعض! وبعدها الباقون أصررنا كل واحد يقول إنه يدفع وفي الأخير أصر على الدفع أكبرنا سنا، بعد هذه الحادثة بدأنا نتساءل بين بعضنا البعض هل هو كان يمزح أو الموضوع جد، ومع الوقت اكتشفنا المفاجأة أنها ما كانت مزحة!
القصة الثالثة، كان لدي إخواني أصدقاء، وكانوا أصدقاء مؤدبين وكنا نلاحظ عليهم الأخلاق والذكاء لكن أيضا واضح عليهم حالة البؤس والحاجة والفقر، مع أن الجميع يعرف أن أباهم غني ونتكلم على عشرات الملايين وهم يركبون أسوأ وأقدم السيارات وملابسهم رثة، الشيء المحزن أنهم كانوا يتمنون اليوم الذي يفارق أبوهم الحياة حتى يعيشوا الحياة الطبيعية، والأسوأ من ذلك عندما كانوا يطلبون من أبيهم في حياته الاحتياجات الأساسية كان يرد عليهم بالقول «هذا حلالي واهم منكم، وأنه حر فيه وهو من جمعه!»
القصة الرابعة قصة مشهورة وهي عندما دخل «مقاتل بن سليمان» رحمه الله، على «المنصور» رحمه الله، يوم بُويعَ بالخلافة.
فقال له «المنصور» عِظني يا «مقاتل»!
فقال: أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟
قال: بل بما رأيت.
قال: يا أمير المؤمنين!
إن عمر بن عبدالعزيز أنجب أحد عشر ولدًا وترك ثمانية عشر دينارًا، كُفّنَ بخمسة دنانير، واشتُريَ له قبر بأربعة دنانير وَوزّع الباقي على أبنائه.
وهشام بن عبدالملك أنجب أحد عشر ولدًا، وكان نصيب كلّ ولدٍ من التركة ألف ألف دينار. (أي مليون)
والله... يا أمير المؤمنين:
لقد رأيت في يومٍ واحدٍ أحد أبناء عمر بن عبدالعزيز يتصدق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله.
وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق!
ذكرت هذه القصص الأربعة لغرضين
أولهما لا أحد يجي ويقول لنا (هذا حلالي وجمعته بعرق جبيني!) هذا خير رب العالمين وأعطاك إياه وهناك ملايين يشتغلون أكثر منك وأذكياء أكثر منك ولكن موزع الأرزاق الله، وهو ائتمنك على هذا المال.
ثانيًا لا يجي أحد ويقول أنا أجمع لعيالي! إذا أنت أحسنت إنفاق هذا المال فإن الله قد يتولى أولادك من بعدك كما في قصة الخضر في اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحًا، وأبناء عمر بن عبدالعزيز، وقد رأينا وشهدنا أولادًا أغنياء ضيعوا ثروة أبيهم أو صارت لهم حوادث وماتوا ولم يورث أبوهم لهم شيئًا رغم كل ما جمعه.
يا جامع المال أظهر أثر نعمة ربك عليك وشارك السعادة والبذل مع الآخرين، لا سعادة تعادل سعادة إسعاد الآخرين. كن صانعا للسعادة
عندي قناعة أنه من يملك 10 ملايين ومن يملك 10 مليارات متشابهان، هذا يركب سيارة فارهة والأخر أيضا، وهذا ينام على سرير مريح والآخر أيضا وتقريبا نفس السرير، أبو المليارات لن يفصل له سرير 10 أمتار في 10 أمتار مثلًا، والأكل نفس الشيء ونفس المطاعم وكلاهما يسافر إجازات ويسكن بنفس الفنادق، إذن الفرق هو مجرد عدد الأصفار في حساب البنك، إذن لماذا تقتر على نفسك والله رازقك! الملياردير البرتغالي انطونيوا فييرا توفي بكورونا ورغم ثروته الهائلة إلا أن الفيروس منع الأوكسجين عن رئته وكل ما أراده هو الهواء وهو شيء مجاني ويقال إن أحد أبنائه ذكر (والدي توفي وحيدا مختنقا يبحث عن شيء مجاني هو الهواء والمال بقي بالمنزل!) وبغض النظر عن صحة المقولة لكن الواقع يثبت أن ملياراته لم تفده وكل ما كان يحتاجه نسمة هواء!
أعتبر هؤلاء الأغنياء البخلاء فقراء ومرضى بل مساكين هؤلاء هم (أغنياء الفقر) فالبخل والتقتير مرض إللي يحميكم يعافيكم منه، ما فائدة جمع المال إذا لم يعز نفسه ويتمتع فيه ويعز أهله ويعمل لآخرته وهو حي، بعد الممات زين تلقى أحد يدعي له إذا ما دعوا عليه، اعمل لدنياك وآخرتك ولا تجعل أهلك يتمنون موتك.
وأختم بمقولة لأمي أطال الله في عمرها وحفظها توصينا فيها تقول «ما فيه شيء يستر عيوب الرجال مثل الكرم وحتى لو كانت عيوبه كثيرة، ولا فيه شيء ينقص ويخرب الرجال مثل البخل حتى لو كانت بقية صفاته زينة».