بعد الخطوات المباركة التي قام بها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، من إيقاف وتدمير للتطرف الديني المسمى بالصحوة، والذي استمر على مدى أكثر من أربعين عامًا في إطلاق خطابات للكراهية والعنصرية ومعاداة الآخر وإيثار الموت على الحياة، بات من الضروري اليوم إيجاد خطاب عام يحض على المحبة والسلام، بأساليب مختلفة ومتنوعة يتشربها الفرد وتتحول إلى تغذية راجعة للمجتمع.

وقبل أن نتناول هذا الخطاب (خطاب المحبة) كوجبة جاهزة، علينا أن نذهب لأصل مكوناته ونحللها بالشكل الصحيح ليسهل تناولها وهضمها، فنعود إلى كلمة (الحب) وهي الجذر الأصل في هذه المعادلة، ونعيد صياغة مفاهيمنا نحوه لطالما كان القيمة المحرمة التي يقودها الشيطان حسب تصورهم، بإخراجها من هذا المفهوم إلى معاني حقيقية سامية وبناءة، بدءً بعدم اختزال هذا اللفظ المطلق واحتكاره في إطار العلاقة بين المرأة والرجل أو كما يحدث بضمها إلى قوسي (الجنس) وجعلها ثالث اثنين اجتمعا، فكانت هي الشيطان الخفي على شكل غواية أو رغبة وفق تصور أنصار خطاب الكراهية.

ما حدث لهذه الكلمة (الحب) من تشويه وتحريف، نتج عنه واقع نعاني منه اليوم من إغلاق تام للذات، حتى أصبحت قاسية ومتصلبة، طاردة للحب وجاذبة لـ «الكراهية» المنبع الأساسي للحروب والدمار والعنصرية والطائفية والقسوة والعنف وضيق الأفق والتحرش والاغتصاب.

نحن في حاجة لاستزراع الحب بمعانيه المختلفة مهما كانت البيئة التي تخشاه وتهابه، لينتشر الاحتواء والاطمئنان والإيثار والتعاطف والود والرحمة، ومن أجل تحقيق غايات أعظم تقود نحو الإبداع والابتكار والتقدم والازدهار، ومن أجل تفاعل وتآلف مكونات هذا المجتمع بالمحبة والإيجابية.

ولكي يشعر الفرد بقيمة وجوده وأهميته في الحياة، نحن في أمس الحاجة إلى نشر معاني المحبة المختلفة في مواسم الترفيه بالاستفادة من تراث الجزيرة العربية، وعمل ملاحم أوبرالية من قصص «قيس وليلى» أو «جميل بثينة» أو«كثير عزة»، تغذي المجتمع ثقافيا بقيمة المحبة في الحياة، وبتضمين الأنشطة المدرسية بمعاني التسامح وتقبل الآخر، وبابتكار أساليب تقضي على العنصرية في المدرجات الرياضية التي باتت اليوم بعيدة كل البعد عن أهدافها الأساسية في الامتاع، وخلق الروح الرياضية، إلى معادة وقطيعة وقذف وشتم وتطاول باليد، وبإيجاد مبادرات تسمو بالمجتمعات المهنية نحو التآلف والمحبة، والتغلغل في مناشط العنصرية بإنشاء منصات تقف حاجزًا منيعًا ضد الكراهية والعنصرية الرجعية التي باتت تتحور لأشكال أخرى كالشعوبية الحديثة وما تدعو إليه صريحة من احتقار وازدراء وإشعال فتيل الحقد والحروب بين الشعوب المختلفة.

والأهم من ذلك هو إيجاد قانون يجرم نشر الكراهية وكل ما يدعو إليها، فإذا كانت برامج التواصل الاجتماعي تتغاضى عن بعض مستغلي ميزة حرية التعبير، يكون في المقابل استحداث لجمعية أو مؤسسة تكافح بالوعي والقانون مروجي الكراهية والعنصرية لإنهاء تلك الفتنة بسلام، ومنعهم من استغلال عواطف أفراد المجتمع الوطنية والدينية لدوافع خفية وغرائز لا إنسانية.