جانب وراثة الفقيد عن أهله خدمة الثقافة واضح جدا؛ فجده الشيخ عبدالمقصود، سكن «الفيوم» بمصر فترة، وتخرج من جامع الأزهر، وأسس مع المشايخ أحمد شاهين، ومحمد مفتي، وعبدالعزيز وعبدالرحمن شمس مدرسة النجاح الأهلية بجدة، قبل 127 سنة، عام 1317، استشعارا بخطر «التتريك»، وهي غير مدرسة النجاح الليلية بمكة، التي أسسها عام 1350، قبل 94 سنة، الشيخ عبدالله أحمد خوجة، صاحب أول فكرة لمحاربة الأمية، وأول من أسس المدارس الليلية بالمملكة، وهما وإن كانا يشتركان في لقب «خوجة» إلا أنه لا قرابة مباشرة بينهما، ومعروف أن لقب «خوجة» اشترك فيه كثير من الأسر، خاصة من كان جدهم أستاذا، «أو» كان لهم انتساب بآل البيت النبوي؛ والأولى أدق وأوثق، ووالد الراحل الشيخ محمد سعيد، واسمه مركب، التحق بحلِق المسجد الحرام، ودرس الدين واللغة، على أيدي علماء مشهود لهم بالعلم والعمل، وأُولع منذ صغره بقراءة الكتب الأدبية التاريخية، وخاصة كتب التراث، مما أهلَّه ليكون في الطليعة من الروَّاد، ويعد من أبرز واجهات الأدب وعلم الاجتماع والتأريخ في البلاد، ومن أشهر كتابها، وقد أدار تحرير صحيفة أم القرى 4 سنوات، وتسلم المطبعة الحكومية، وفيها آلة طباعة يدوية واحدة، وتركها إدارة يُحكى عنها. وفي عام 1355، اضطلع مع زميله عبدالله بلخير، بمهمة إعداد وإصدار الكتاب الشهير «وحي الصحراء»، وكانت له مجموعة نشاطات أدبية مجتمعية في داره، ومنها «حفل التعارف» الذي كان يقيمه بمشعر منى، في أول أيام عيد الأضحى، لعلماء الحجاج وأدبائهم، وكانت له يد معطاءة في طباعة الكثير من كتب التراث مثل كتاب «تاريخ مكة»، للأزرقي، وفي عهد إدارته لمطبعة أم القرى، صدر «تقويم أم القرى» الذي يُعمل به حالياً، ويكفي في سيرته وصف أمين العاصمة المقدسة عبدالله عريف، له: «كان الشيخ محمد سعيد حياة في الحياة، ونسيج وحده، وأمة وحده في هذه البلاد»، ووصف الأديب عزيز ضياء له: «كان إنساناً، يملأ علينا حياتنا في تلك الفترة التي عشناها قبل الحرب العالمية الثانية، وعلى التحديد بعد أن أسس الملك عبد العزيز، رحمه الله، المملكة العربية السعودية»..
فقيدنا الراحل الكبير، وهو إن افتقد والده وهو في الرابعة من عمره، إلا أن نشأته في الأجواء الفخمة لوالده وجده جعلته يعيش مثلهم، وربما زاد عليهم، وجعلت حياته «89» سنة حياة حافلة بالذكريات والمناسبات، سيكتب عنها الأوفياء الكثر، ويستحق منهم ذلك. وهنا أختم بأننا سنفتقد صالونه الأدبي الماتع، ومجالسه الرصينة، ولباقته ولياقته، وكثيرا من الذكريات معه، وسنفتقد رمزا معتنيا وراعيا للأدب والثقافة، وصادقا ومخلصا فيما يقوم به، وسيظل الأنموذج الذي أتمنى أن يحتذي به الموسرون، والمهتمون، بمكافحة «الغثاءات» و«التفاهات» و«الزائف من الإضاءات».. اللهم ارحم الوجيه، وارحم من تقدم من أصوله وفروعه، وبارك في عقبه جميعا، وعوّض الوطن في فقده، وابقِ مآثره، ولا تجعلنا «مجتمعا دفَّانا».