آية مشهورة في كتاب الخالق، سبحانه وتعالى، نقرأها ليل نهار، هي قوله سبحانه، في سورة الحجرات: {يٰٓأيها ٱلناس إنا خلقنٰكم من ذكر وأنثىٰ وجعلنٰكم شعوباً وقبآئل لتعارفوٓا إن أكرمكم عند ٱلله أتقىٰكم إن ٱلله عليم خبير}، وبعضنا يحصرها في بطائق التعارف، الموجودة في جيوبهم، والتي يتبادلونها مع بعضهم البعض، والواجب أن تتعدى هذا الفهم الضيق إلى ما هو أوسع، كأن يمتد التعارف إلى الثقافات والعادات والأعراف والقيم والمعتقدات، شريطة احترامها، بغض النظر عن القناعات الخاصة، والسيطرات الذهنية الجامحة..
من أبرز مشكلات مخالطة الناس، في الداخل والخارج لبعضهم، إساءة هذا لذاك في انتمائه الديني أو العقدي أو وظيفته أو منطقته أو مدينته أو بلده أو جنسه أو جنسيته أو لونه أو ناديه أو مركوبه أو شكل لبسه أو نوع أكله وشربه وغير ذلك مما يفتك بالتعايش المنشود، والاندماج المطلوب، ويحاول عبثا إلغاء الخصوصيات، وهو أمر صعب، بل ومستحيل، خصوصاً في هذا الزمن الذي انفتحت فيه المغاليق، وتغيرت فيه الظروف، وتعددت فيه الأفكار..
اليوم، العاقل هو من يركز على المشتركات العامة، ومن يكثف من التعاون على ما فيه المصالح المتبادلة، ومن يحرص على تحقيق المكاسب للجميع، ومن يتشبث بضرورة عدم إلغاء الفوارق الخاصة، وضرورة الامتناع عن تصنيف الناس، وضرورة عدم إطلاق الألقاب والتصنيفات عليهم، فالناس اليوم ركبوا ويركبون «سفينة واحدة»، هكذا وصفهم نبيهم وسيدهم، صلى الله عليه وسلم، في الحديث المشهور الصحيح، وكلهم عن بكرة أبيهم، مسؤولون عن سلامتها وسلامتهم، وملزمون بالسير بها إلى مرفأ نجاتها ونجاتهم: «.. فإن أخذوا
على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً»..
أختم بأنه من دون النظرة الإيجابية لبعضنا البعض، في كل بقعة من الأرض، من شمال الدنيا لجنوبها، ومن شرقها لغربها، ستزداد العوائق، ولن يكون هناك أي تعاون بين «العائلة البشرية»، ولن تتيسر بلورة منهج شامل يحقق السعادة الحقيقية لأحد، حتى لو تصورنا أنها موجودة أو متوفرة، ولن تتحقق فرص التلاقي والتقارب والتفاهم، ودون الانفتاح على التحاور لن يتحرر الناس من انشغالاتهم وهمومهم ومشكلاتهم وتحدياتهم ومعاناتهم، وما يفرحهم ويبهجهم ويحقق آمالهم وأمانيهم، ولعل أدل دليل موجب للتحاور هو هذا الحديث الخالد: «أن غلاماً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال صلى الله عليه وسلم قربوه، ادن فدنا حتى جلس بين يديه، فقال عليه الصلاة والسلام: أتحبه لأمك فقال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم»، وذكر له صلى الله عليه وسلم البنت والعمة والخالة، ثم وضع يده على صدره وقال: «اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه، وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه»، وهو خير درس على خيبة المواقف المسبقة، وأن أصحابها فاشلون.