مؤسف جدًا أن تتسبب النقاشات بين أفراد المجتمعات في زيادة حالة الهياج العبثي، وأن تستمر تصنيفات الناس يمينًا ويسارًا، وتتفكك العلاقات الإنسانية بينهم، خاصة عندما يزايد هذا على ذاك في الدين، أو الوطنية، أو أن يعتقد فلانٌ أنه أقرب إلى الله من غيره، أو أنه الأكثر إخلاصًا من كل من حوله..

برمجة عقلية عجيبة يعيشها البعض، وصلت بهم إلى مزالق ومهاوٍ سببتها تغايرات الأفكار، واختلافات المعتقدات، وستسهم بصورة سريعة في تشظي المجتمعات وتشتتها، والخوف كل الخوف هو من زيادة المتوحشين والمندسين، الذين لا هم لهم إلا «قتل الشخصية»، وربما «القتل على الهوية».

مصيبة أن يستمر التصنيف «السلبي» بين الناس، وعيب كبير أن تستمر مفردات هذا النوع من التصنيف، من جنس شيعي وسني، سلفي وصوفي، علماني وليبرالي، تنويري وحداثي، وغير ذلك من كل ما يعسكر الناس في خنادق خاصة، رغم أن الفرد يجب عليه أن يخلع عن نفسه وعن غيره كل ما يمكن أن يبعده عن المشاركة في تنمية الوطن «التعددي المتناغم»؛ والمصيبة الأكبر من السالفة الذكر أن يكون هذا بين من نال نصيبًا من العلم، أو مكنه الله من شيء من الترؤس، وعندها لا يمكن إلا أن تزداد الصراعات الفكرية والمذهبية والسياسية، وهو ما يستوجب إعادة برمجة الناس على «غير» عقلية القطيع، والتبعية العمياء، أو أن من هو «ضدي» ضال عن جادة الصواب، وبعيد عن الدين، وضد الوطن، واتهامات شيطانية أخرى لا يمكن أن تنتهي.


هذه البرمجات الغريبة، واللوثات الفظيعة، تجعل الإنسان غريبًا وسط ناسه، وتزيد من استفحال الكراهية غير المحمودة، بسبب أن مذهبك مختلف، أو أن توجهك منفرد، أو أنك تحب شيئًا غيرك لا يحبه، أو أنك تلبس ما لا يلبسه هو، أو أنك تأكل من نوع لم يمر على مائدته.

هناك تصنيفات «إيجابية»، وهناك تصنيفات «رسمية» تفرضها الدولة للأحزاب المناوئة مثلا، فهذه لا يعارضها إلا مغفل، والمقصود هنا هو التصنيفات المبنية على الأهواء والأحقاد، وتصفيات الحسابات، والأغراض الخاصة، والنفسيات التي لا ترغب أن ترى غيرها، فضلا عن أن تستوعبهم؛ وهنا أقول لمن ابتلي بالتصنيفات السلبية؛ لا تهتز ولا تبتئس، وساهم بما تستطيع في ردم الهوة بين أفراد مجتمعك، والاهتمام بخوض سباقات تنمية بلادك، وتحقيق «رؤيتها»، وانتشال غيرك من المغموسين في تبادل الاتهامات والتهم والإهانات، وسامح وتسامح، ونظف قلبك وغيرك من الأحكام المسبقة عن الناس، وخصوصًا أولئك الذين مضوا إلى الرفيق الأعلى، واحرص من أن تكون متحيزًا بغير حق لأحد، أو أن تفرض قناعاتك، واسمع لمن قال لك من أسلافك: «لا تكن حلوًا فتُسْتَرطَ، أي تبتلع، ولا مرًّا فتُعقى، أي تقذف»، وتذكر قول باب مدينة العلم: «خير الناس النمط الأوسط»؛ وعلى العقلاء المساهمة بشكل أكثر جدية في إعلاء قيمة العلاقات الإنسانية والمواطنة بين الناس، ومنع كل ما لا يسهم في تحسين ظن الناس بعضها ببعض، وفتح الأبواب الموصدة، وصهر الكل في بوتقة التنمية والتعاون، حتى «يموت باطل» لوثة البرمجات والتصنيفات والأيدلوجيات، بـ«تركها» تمامًا، لا حبرًا على «شهادات الوفاة».