سؤال عميق، يتطلب كثيرًا من الوعي والإدراك، لنعرف ما إذا كنا نملك عقلين، عقلٌ بالدماغ وعقل بالقلب، أم عقل واحد نتبعه.
سنبدأ من القلب وما عُرف وقيل عنه، فقد قال أرسطو (إن القلب ما بين جفاف وحرارة، ففي حالة حرارته تولد الأحاسيس والمشاعر، وكل نبضة قلبية هي ترجمة لشعور وفكرة بينما الجفاف حالة ركود)، والبعض رأى -أظنه تعبير مزاجي- أن الكبد يشعر خاصة في حالات الحزن والخوف!.
ابن النفيس أول من عرف الدورة الدموية الصغرى وكتب عنها في كتابه (حول حركة القلب والدم)، ولكن كان كتابًا علميًا يدرس آلية عمل القلب كعضلة مهمتها ضخ الدم، مجردةٌ من المشاعر، تلك المشاعر التي نعبر عنها بقلب مكسور، أو قلب مكتمل، لماذا نربط دائمًا بين مشاعرنا وقلوبنا!، رغم أن الكتب التي درسناها تقول إن القلب عضلة، مهمتها ضخ الدم، حتى رمز القلب الذي نستخدمه كل يوم في تواصلنا، كان نتيجة انطباعات أرسطو وجالينوس عن شكل القلب وكتاباتهم عن ذلك، بأنه مكون من ثلاث حجرات بينها تجويف بسيط، ورغم تطور الطب وعلم التشريح ما زلنا نستخدم الرمز نفسه، لأن المشاعر لا علاقة لها بالتطور، الحب هو الحب والحزن هو الحزن، وربما اعتراف منّا بأن ما توصل إليه أرسطو هو ما نشعر به.
وفي المدارس تعلمنا أن الدماغ هو القائد والمتحكم في جسدنا، وعلى القلب أن يستجيب، وبالتالي فهمنا أن اتباع قلوبنا ضعفٌ يجب أن نترفع عنه.
علاقة الدماغ والقلب تكاملية وليست تفاضلية، فهناك تواصل عصبي بين القلب والدماغ من خلال نقل السيلات العصبية بينهما، فالقلب يحتوي على الآفٍ من الخلايا العصبية الخاصة به، وكأنه دماغ مصغر، رغم أنه لا «يفكر» مثل الدماغ، إلا أنه يرسل كمية هائلة من الإشارات إلى الدماغ، ليفسر الدماغ هذا الشعور وتبعًا سيقوم بالتغيرات اللازمة له. مثلًا حينما يخاف الإنسان أو يغضب تتغير نبضات قلبه وتضطرب، وينتقل هذا الإحساس إلى الدماغ وتحديدًا إلى مركز العاطفة ويسمى الجهاز الحوفي ويقع داخل الفص الصدغي للمخ فيعرفه ويفسره، وحينها تنتقل الأوامر للجسد للتفاعل مع هذا الإحساس، كالتعرق، واتساع حدقة العين، وتسارع النفس، وتزايد في نبضات القلب، القلب في حوار مستمر ثنائي الاتجاه مع الدماغ. تغير عواطفنا الإشارات التي يرسلها الدماغ إلى القلب، ويستجيب القلب بطرق معقدة، تُظهر هذه الملاحظات أن القلب مرتبط ارتباطا وثيقا بالشعور والإحساس على المستوى المادي، ولكن تحليل هذا الشعور هو مهمة الدماغ. كذلك هناك علاقة بين اضطراب العواطف وأمراض القلب، وهذا يعزز مفهوم أن القلب هو موطن الإحساس والمشاعر وإن كانت مبهمة، كم من شخص فقد حياته بسكتة قلبية نتيجة غضب شديد أو فرح غامر، لذا فإن استخدام كلمة «قلب» تعبيرًا عن المشاعر أمر طبيعي ومنطقي تمامًا.
القلب والدماغ -وإن اتفقا في الإحساس- لكل واحد منهما عقل يجعله يتخذ قرارًا مختلفًا، يؤكد العلم الآن أن الدماغ والقلب لكل منهما نوع من «الذكاء»، وأنه يمكننا خلق حالة من الانسجام بينهما، حتى لا نقع ضحية لتحليلات أدمغتنا أو هشاشة قلوبنا. ولأن مركز العاطفة في الدماغ يتأثر بالموجات الكهرومغناطيسية للقلب، فلا بد من تزامن النشاط الكهربائي للقلب مع الموجات الدماغية لتحقيق الانسجام بين القلب والدماغ، وتتيح لنا حالة الانسجام هذه أن نكون أكثر حضورًا ووعيًا، فيزداد الإبداع والقدرة على اتخاذ القرار، وتستقر العلاقات العاطفية، ويزول التوتر ويتحسن النوم فتتحسن الصحة العامة.
ولكن كيف يمكن خلق هذا الانسجام لننعم بكل هذا؟
حسب أبحاث الأطباء النفسيين، وجدوا أن تمارين التنفس العميق والتأمل وأداء العبادات والاسترخاء ورياضة اليوجا تحقق الانسجام بين القلب والدماغ، ولن تحتار بين قلبك وعقلك لأنهما سيفكران ويقرران معًا، اتخذ قرارك وأنت مطمئن.