من يريد الكتابة عن العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم لا بد وأن يتطرق في ما يتطرق إليه، إلى علاقة الحاكم والمحكوم في كيفية أداء الواجبات ونيل الحقوق على مبدأ التبادل المشترك، وهو ما يسميه البعض «علاقة التعاقد بين الحاكم والمحكوم»، وهناك أيضا «علاقة التبادل بين الحاكم والمحكوم»، وهنا أنقل قول العلامة عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي، الشهير بابن خلدون، في الفصل الـ26 من «تاريخه»: «اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه في ما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره؛ وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة، مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع»، ويؤكد فقهاء السياسة الشرعية أن صورة التعاقد والتبادل التي تقوم عليها العلاقة بين الحاكم والمحكوم أشبه ما تكون بنظرية «العقد الاجتماعي»، ومعناها أن يتنازل أفراد المجتمع بموجب هذا التعاقد عن بعض حرياتهم للسلطة مقابل تنظيم شؤونهم وإدارتها بما يحقق المصلحة للمجموع..
اليوم وفي هذه الذكرى الغالية، في مملكتنا العربية السعودية، نحتفي نحن شعب المملكة ومعنا المقيمون على أرضها بهذه المناسبة، بقلوب محبة مطمئنة شغوفة بالإنجازات ممتنة لخير العطاء، في مجالات الحياة كافة، نلامس بحواسنا التطورات الكبيرة التي تشهدها كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، من أجل توفير الخير والرفاهية للمواطن، الذي يبادل قائده الحب والولاء في صور متعددة تجسد، بفضل الله تعالى، أسمى معاني التفاف الرعية حول الراعي.
مناسبة ذكرى البيعة، مناسبة لا يمكن أن تمر دون أن يصدح الصادق والمخلص فينا بأننا «شعب جبار وعظيم»، حبانا الله بملك كله «حزم وعزم»، يعاضده ولي عهد همته أكبر من «جبل طويق»؛ بهذا نتفاخر، وآمالنا وتطلعاتنا لا حدود لها، وما يجب أن نستذكره في هذه المناسبة هو أننا تحت راية قبلها ولي أمرنا يوما ما، في لحظة حميمية غالية لا تغيب عن الأذهان، راية بلا تيارات، راية الوطن فيها، ليس «حفنة من تراب»، راية تؤكد أن الوطن ليس مجرد أرض نسكن فيها، إنما هو كيان عظيم يتملكنا ويسكن فينا، راية تؤكد أن مشروعية الدولة الوطنية أمر غير قابل للجدل أو التشكيك، وأن مصالح الوطن والحفاظ عليها من صميم الدين، وأن الوطنية الحقيقية ليست ادعاءات، وإنما هي المشاركة بإخلاص في البناء والإعمار، ورحم الله الأصمعي القائل: «إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ووفاء عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه».. اللهم أصلح الراعي والرعية، واجعل مملكتنا آمنة رخية.