تذكر المراجع العلمية أن «التنمية المستدامة مصطلح اقتصادي اجتماعي أممي، رسمت به هيئة الأمم المتحدة خارطة للتنمية البيئية والاجتماعية والاقتصادية على مستوى العالم، هدفها الأول هو تحسين الظروف المعيشية لكل فرد في المجتمع، وتطوير وسائل الإنتاج وأساليبه، وإدارتها بطرق لا تؤدي إلى استنزاف موارد كوكب الأرض الطبيعية، حتى لا نحمل الكوكب فوق طاقته، ولا نحرم الأجيال المقبلة من هذه الموارد، ودون الإفراط في استخدام الموارد الطبيعية المتبقية على كوكبنا»؛ ومن المعلوم بالضرورة أن الدين ليس بمعزل عن هذه التنمية، ومن بحث في القرآنِ الكريم، والسنة المطهرة سيجد كثيرا من الآياتِ والأحاديثِ التي تحث على عمارة الأرض والاستفادة من مواردها، بما يضمن بقاءها وعدم نضوبها، قال تعالى على لسان نبيه سيدنا صالح، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، في سورة هود: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَه غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}>
وأمثلة هذا الإعمار اللازم كثيرة، ومنها المناداة الدينية إلى ضرورة السعي المستمر على نشر وإعلاء قيم السلم والعدل والحوار ونصرة المظلوم والوقوف بجانبه، ودعوة الظالم للكف عن ظلمه، وتحقيق كل سبيل يؤدي للتعاون المشترك، وتحريم الدماء، ومنع الاقتتال بين الناس، وأن «الجهاد»، لا يكون إلا تحت راية الدولة ومن خلالها فقط، وإلا اعتُبر إرهابًا مجرَّمًا مُؤثَّمًا، والجد في مجابهة نشر وانتشار التكفير والتطرف والإرهاب وزعزعة الاستقرار، وتحريم التطاول والعدوان على مؤسسات الدولة، وحماية الملكيات العامة، ومنع الربا والاحتكار والرشوة والفساد، وتحريم الاعتداء على حقوق الملكيات، ومكافحة ذلك بالأمانة والعدالة والسماحة وحسن التعامل، ومحاربة البطالة والتضخم والغَرَر والخداع وكل أنواع الفساد المالي، وتشجيع الصناعة والابتكار والتجارة، بغرض إنعاش الواقع المالي، والرغبة الصادقة في القضاء على الفقر والجوع والبطالة، والحفاظ على حياة وصحة الإنسان، وبنائه وتهذيب سلوكه وتربية نفسه ورفعة شأنه، والحفاظ على البيئة بمختلف أشكالها وتنوعاتها، وتجريم كافة أشكال التعدي والعدوان على البيئة، وحماية المناخ والحياة البرية والحياة البحرية، والأمثلة لا تنتهي..
تحية شكر وعرفان واجبة لدار الإفتاء المصرية، وفضيلة مفتي الديار المصرية، على الجهود المستمرة، والمسايرة والمواكبة الدائمة لمستجدات الحياة، ومنها هذا المؤتمر الرصين، الذي جاءت توصياته الـ «17» لتمثل لوحة جميلة لمن يبحث عن دلائل الإسلام في التعريف بالحياة، وأنه لا يقتصر على أداء الفرائض فقط، وإنما يشمل كل عمل يصل بالناس إلى مراد الله فيهم، وأن من الواجب عدم الانعزال عن العالم، وهو ما يستدعي ضرورة السير مع طبيعة المتغيرات، لا عكسها، وأن نسهم في الإعمار لا الدمار، وأن ننخرط جميعا في وسط عمليات التنمية، وأن نبذل غاية جهدنا في تعزيز الدين، ونهتم بكل القضايا ذات الصلة بمجتمعاتنا التي نعيش فيها، وألا نهمل الحياة والفكر والازدهار والشرف والكرامة، وأن نسرع في معالجة أي تحديات عصرية، لم تكن تدور في خلد السابقين.