أتابع بكل اهتمام انجذاب الشرق للغرب، والغرب للشرق فيما يتعلق بالحوارات الدينية بين الناس هنا وهناك. ففي يوم الأربعاء الماضي، انطلقت، «قمة الأديان لمجموعة الـ20»، التاريخية والأولى من نوعها، في جزيرة بالي بإندونيسيا، برئاسة مشتركة بين «رابطة العالم الإسلامي» و«هيئة نهضة العلماء الإندونيسية»، وأعلنت رئاسة القمة إطلاق منتدى «بناء الجسور بين الشرق والغرب من أجل عالم أكثر تفاهمًا وسلامًا ومجتمعات أكثر تعايشًا ووئامًا»، والخميس الماضي وتحت رعاية ملك مملكة البحرين الشقيقة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، نظم «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية» بمملكة البحرين، ملتقى البحرين للحوار بعنوان: «الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني»، بالتعاون مع «مجلس حكماء المسلمين»؛ الهيئة الدولية المستقلة، التي تهدف بصدق إلى ترسيخ قيم الحوار والتسامح في العالم.

أتابع كل ذلك، وهناك من يحاول أو سيحاول التقليل من أهمية هذه التجاذبات بحجج متنوعة، كضرورة لملمة شمل أهل الدين الواحد، داخل بلدانهم أولا، وحثهم على ترك نتن رمي بعضهم بعضا بالزندقة والفسق وسواها من التصنيفات، التي لا حاجة لسردها، وهذه الحجة أتفهم طرحها، وأتمنى أن تتنظف عقول الكبار قبل الصغار منها، وخصوصا من بيدهم الحل والعقد. أما الحجة الأخرى فهي الاعتماد على ظواهر النصوص في منع التواصل بين الشرق والغرب، كقوله تعالى، في سورة البقرة: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ..}، وإغماض العيون عن قول سيدنا ابن عباس، رضي الله عنهما، الذي نقله الإمام البغوي وغيره في كتب التفاسير العتيقة: «[هذا في القبلة]، وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران، كانوا يرجونه صلى الله عليه وسلم، حين كان يصلي إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة آيسوا في أن يوافقهم على دينهم..».

في الشرق الأقصى رئيس هيئة مجلس علماء المسلمين، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وفي الشرق الاوسط رئيس مجلس حكماء المسلمين، شيخ الأزهر، وكلها رسائل لمن يريد أن يسمع بهدوء، أن الأديان مصدرٌ لحل المشكلات العالمية، ولا ينبغي الربط بينها وبين النزاعات والحروب، وعلى الصادقين والمخلصين من القيادات الدينية تعزيز التعاون في الوقوف على أرضية من القيم المشتركة، ومن ذلك الجدية في منع العنف والقتل على الهوية، والوقوف الحازم ضد انتشار الكراهية الطائفية، وتشجيع غرس القيم الأخلاقية والروحية في صلب الأنظمة الحياتية، وتوضيح أدوار أديانهم في مختلف جوانب التطور في المجتمعات، وفي إقامة بنية اقتصادية وسياسية عالمية تتماشى مع قيمها السامية، وإبراز هذه الأدوار في حل المشكلات العالمية التي تواجه دول الكون.


أختم بأن لكل صاحب مذهب أو فكر، فضلا عن صاحب دين، قناعاته الخاصة، وعلى المندسين، بغض النظر عن تباين وظائفهم ومستوياتهم، أن يدركوا أن أصل الخلق الإنساني واحد، واستيعاب أن الإنسانية ترجع لأصل واحد، وأن واجبنا أن نتآخى، وإن اختلفنا في الأديان، أو في طرائق التدين، هذا كلام خالق الأكوان وموجدهم من العدم، في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..}، ولا ينبغي لمخلوق مخالفة كلام خالقه الأوحد. كل التحيات والدعوات لمن ذكرتهم هنا، ولغيرهم من المؤسسات الدوليَّة المعنيَّة بالحوار والتعايش الإنساني والتسامح، ولكل الساعين على مد جـسـور الحـوار بـيـن الناس، داخل بلدانهم، وفي العالم الفسيح.