أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس الماضية كانت حافلة بالعلم والعمل، الذي تعود عليه المتابعون لمناشط «منتدى أبوظبي للسلم»، منذ تأسيسيه قبل 8 سنوات، والذي جاء ملتقاه الـ9 بعنوان قشيب هو: «عولمة الحرب وعالمية السلام: المقتضيات والشراكات».

وحظي كما يحظى دائمًا برعاية كريمة من وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان، ويشرف على مشروعه الإنساني الخلَّاق، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي رئيس منتدى أبوظبي للسلم عبدالله بن بيه، وفق نهج رسخه رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: «تعزيز جسور الشراكة والحوار والعلاقات الفاعلة والمتوازنة القائمة على الثقة والمصداقية والاحترام المتبادل مع دول العالم»، وهو ما يمكن أن يلاحظ بشكل بارز في المبادرات التي كرست وتكرس للتسامح والتعايش الإيجابي بين أهل الأديان والثقافات المختلفة، وسط عالم مأزوم بالكراهية والعنصرية وأضرابهما.

كل متابع لما يدور في الكون، يعلم أن العالم بأسره يعيش حربًا عالمية بشكل مختلف، نلحظه في البعد الأخلاقي والسلوكي والقيمي، ونراه بارزًا كذلك في البعد المالي والاقتصادي، الذي أثر سلبًا في معظم دول العالم، ومن دلائل هذه الحرب المختلفة ما أشار إليه تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، من أن 89.3 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة بلدانهم في 2021، بسبب العنف والتهديدات الأمنية التي عانوا منها، وأعمال العنف وتدهور وضع حقوق الإنسان في المناطق التي عاشوا فيها، وهو ارتفاع وصفه التقرير بـ«الكبير» مقارنة بالعام 2011، إذ كان عدد الذين اضطروا إلى النزوح 40 مليون شخص عبر العالم..


إن الحقيقة الأبرز التي لا يمكن أن يشك أو يشكك فيها أحد تؤكد أن «عولمة الحرب يجب أن تواجه بعالمية السلام»، وعلى كل من يثق في هذا الأمر، أن يوفر الفَضاء المناسب لكل العلماء والباحثين، بغض النظر عن الفوارق بينهم، من أجل نشر رسالة السلم والتعاون على الخير، وبغرض الإسهام الإيجابي في تصحيح المفاهيم، واعتماد منهجية علمية، صحيحة ورصينة؛ وكل من لا يستطيع دراسة تأثيرات عولمة الحرب مبكرًا سيتأثر تأثرًا بالغًا حتمًا، ومن لا يؤمن بعالمية السلام لن ينجو من براثن الحروب، وفوق هذا هو مخالف للأمر الرباني، في سورة البقرة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}؛ والسلم هنا يعني الجدية في حفظ السلام العالمي، وبذل الجهد في نشر قيم التعايش السعيد والتسامح الحقيقي بين أهل الدنيا، وفي التعاون والتضامن، من أجل مستقبل لا يمكن أن يكون مشرقًا إلا بالوئام المتبادل، والسلام المشترك.

أختم، بعد عظيم الشكر والامتنان للقائمين على أعمال المنتدى، بأهم المستفاد الخاص من هذا المنتدى الرصين، وهو ضرورة أن تمكن النخب المرموقة والقيادات المجتمعية في الداخل والخارج، من عرض ما لديها من رؤى تسهم في توثيق العلاقات ومد الجسور بين الأفراد والشعوب، وأن يتاح لها القيام بغرس الثقة والتعاون والاحترام فيما بين الكل، وأن تتكامل أدوار الجميع من أجل أن يتحقق السلم، ويعم الخير والاستقرار، وتنتهي كل أو غالب المشكلات الخاصة والعامة، وهو ما يتطلب تعميم القيم الإنسانية المشتركة، وشحذ الطاقات، وعدم الخوف والهلع من المناقشات والأديان والمعتقدات والحضارات والثقافات، واستخدامها وأهلها كقوى إيجابية وناعمة تدفع للوفاق الصادق والحقيقي، وعلى أرض الواقع، وليس في عالم الخيال.