صوت يشذ عن الأصوات المألوفة، لا لأنه أقوى، بل لأنه مختلف وبعيد، صوت يسرق المكان ويهرول، صوت يقص الفضاء ويحدث تجويفاً في الضوء..

هيا بنا.. لم نعبر طريق الروشـة منـذ أيام. شارع عريض مهجور يتوسع من غياب الخطى، كأنه ملكية خاصة للبحر، بنايات تدخـن، نار تهبط من أعلى إلى أسفل. حريق مقلوب، نوافذ تشيخ وتتساقط على مهـل، وتصل إلينا استغاثات الطوابق العليا واضحة جارحة، ناس تحاصرهم النار والانهيارات التدريجية الخارجة من هول الصدمة الأولى، رجال الإسعاف المدني كانوا هناك، يحاولون إنقاذ اللحم البشري المعجون بالحـديد والإسمنت والزجاج.

لا أستطيع أن أشيح بوجهـي عن مشهـد المـكان المجروح، للـدم على الأرض وعلى الجـدران جاذبية الوحشية، لا أستطيع أن أنصرف ولا أستطيع أن أخمـد إحساس العجز.

الزحام شديد. يدعونـا رجـال الدفاع المدني إلى الانصراف لأننـا نـعـرقـل مهمتهـم، ولأن الطائرات ستعود لتقصف هذا الحشد الشهي. بلل وجهي ماء ساخن يبعثه احتقان الغيظ. شدني صاحبي من ذراعي:

هيا بنا، هيا بنا.

أغـاروا من جديد. من جديد أغـاروا. ما هذا اليوم؟

هل هو أطول يوم في التاريخ؟ نظرت إلى البناية المقابلة، نظرت إلى مكتبي الصغير نظرة وداع أخير.

من موجة من بحر، كنت أتابعهـا من هذه الشرفة، وهي تنكسر على صخرة الروشة الشهيرة بانتحار العشاق.

موجة من بحر تحمل بعض الرسائل الأخيرة، وتعود إلى الشمال الغربي الأزرق، والجنوب الغربي اللازورد، ترجع إلى شواطئها وقد طرزت انكساراتها بالقطن. بالقطن الأبيض.

موجة من بحر أعرفها، ألاحقها بالشجن، وأراها وهي تتعب قبل بلوغ حيفا، أو الأندلس. تتعـب فترتـاح على شواطيء جزيرة قبرص.

موجة من بحر، لن تكون أنا. وأنا، لن أكون موجة من بحر..

1983

* شاعر وكاتب وصحافي فلسطيني«1941 - 2008»