الفكر الأحادي أثبت للقاصي والداني أنه فشل ذريع، وثبت أن الانفتاح على العقول، والعيش المشترك أمور ضرورية، وصار لازما أن يبحث أهل العلم والفكر عما يربط الناس من علاقات مشتركة، بعيدة عن التصادم المفضي إلى التشكيك في عبادة الخالق مثلا، وغير ذلك من مسائل متفق عليها في الأديان والثقافات والمعتقدات، جعلت وتجعل من «الأخوة الإيمانية» قاعدة أساسية لتحقيق العيش المشترك، وتؤكد للكل ضرورة احتواء الناس لبعضها، وأن يندمج الكل في المجتمع بما يحفظ الحريات، ويحقق الكرامات، ويعترف بالإرادات.
قبول الآخر، لا بد أن يكون نابعا من العقل ومن القلب، والاحترام المتبادل كذلك، لا بد أن يكون مطبقا قولا وعملا، وليس مجاملة أو رياء أو استهلاكا، كل هذا لا بد أن يكون من الغايات السامية، عند من يريد أن تعود الإنسانية إلى فطرتها، والناس إلى ما يجمعهم، دون أن يظلم أحد أحدا، أو يتسلط هذا على ذاك، أو يستتر أحد خلف مسميات وغطاءات مخفية، لا يعرفها إلا من عرف ما يدور داخل دوائرها المظلمة.
آية جليلة في كتاب الله، وفي سورة النحل تحديدا، تصل لمسامعنا دائما، ومرة في الأسبوع على الأقل، في آخر كل خطبة جمعة، وهي قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، وممن وصلت لمسامعه الإمام عبدالعزيز بن عبدالسلام، المغربي أصلا، الدمشقي مولدا، ثم المصري دارا ووفاة، الملقب بعز الدين، وبسلطان العلماء، توقف كثيرا عندها، قائلا في كتابه «قواعد الاحكام في مصالح الأنام»: «في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والاِحسان وإيتاء ذي القربى﴾ «أمر بالمصالح وأسبابها»، وفي قوله تعالى: ﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾، «نهي عن المفاسد وأسبابها»، وأضاف «هذه الآية أجمع آية في القرآن، للحث على المصالح كلها، والزجر عن المفاسد بأسرها، فإن (الألف واللام) في العدل والإحسان للعموم والاستغراق... فلا يبقى من دق العدل وجله شيء إلا اندرج في قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾، ولا يبقى من دق الإحسان وجله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان...والإحسان إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وكذلك (الألف واللام) في الفحشاء والمنكر والبغي عامة مستغرقة لأنواع الفواحش، ولما ينكر من الأقوال والأعمال»، ومن كلامه وكلام غيره نفهم ضرورة المحافظة على مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، ومصالح الجسد ومصالح الروح، والمصالح العاجلة والمصالح الآجلة، وضرورة إحياء التشارك المجتمعي، على أساس من هذه الآية الكريمة العظيمة، التي يفهم من يتعمق فيها أن النظر إلى الاختلافات بين الناس، يمنعهم من بناء جسور التواصل بينهم، والجسور هنا أعني بها السلم والتعارف والعدل والرحمة، وتجنب الفساد والدمار والشهوات والفتن وكل ما لا يقيم اعتبارا لقيمة الإنسان، وكل هذا ينبغي ألا يكون بسبب الاقتصاد أو السياسة، كما قد يظنه البعض، بل هو من أجل الوعي الذي وفره الله، تعالى، في عقول الذين فهموا أخيرا أن مراعاة السياق الزماني والسياق المكاني، من قواعد الشرع التي تحتاج في تثبتيها إلى بناء التآلفات بين الحكام والمحكومين، والقضاء على الصراعات الكامنة، والنوازع المتطرفة، وتضييق مساحات الاختلافات قدر الإمكان.